خَصَّ الْحَنَفِيَّةُ إبْرَاءَ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ فِيمَا وَجَبَ بِعَقْدِهِمَا , وَيَضْمَنَانِ . وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَمْ يَجِبْ بِعَقْدِهِمَا , كَمَا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مَأْذُونًا بِالْإِبْرَاءِ فَوَكَّلَ غَيْرَهُ بِهِ فَأَجْرَاهُ فِي حُضُورِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ . وَإِنْ وَكَّلَهُ بِإِبْرَاءِ غُرَمَائِهِ , وَكَانَ الْوَكِيلُ مِنْهُمْ لَمْ يُبَرِّئْ نَفْسَهُ , لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ أَمْرِ الْمُخَاطَبِ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ , فَإِنْ قَالَ: وَإِنْ شِئْت فَأَبْرِئْ نَفْسَك فَلَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْمَدِينَ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ .
37 -لَوْ أَكْرَهَ شَخْصٌ آخَرَ إكْرَاهًا مُلْجِئًا عَلَى إتْلَافِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِ الْمُكْرِهِ ( بِكَسْرِ الرَّاءِ ) فَإِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ كُلٍّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إتْلَافٌ يُنْسَبُ إلَى الْحَامِلِ عَلَى الْفِعْلِ , لَا إلَى الْفَاعِلِ , لِأَنَّهُ كَالْآلَةِ . وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الْمُتْلِفِ , وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُكْرِهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ , فَلَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ . وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُكْرِهِ يُفْهَمُ أَيْضًا مِمَّا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَالِكِيُّ عَنْ فَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ قَالَ فِي السُّلْطَانِ يَأْمُرُ رَجُلًا بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا: إنَّ السُّلْطَانَ يُقْتَلُ , وَلَا يُقْتَلُ الْمَأْمُورُ , إذْ الْإِلْزَامُ بِتَضْمِينِ الْمَالِ دُونَ الْقَوَدِ . 38 - وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا كَالدِّيَةِ , لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِثْمِ . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ - أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُكْرَهِ - بِالْفَتْحِ - اسْتِنَادًا إلَى حَدِيثِ { لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ } يَقُولُ ابْنُ فَرْحُونٍ: إنَّ مَنْ أَمَرَهُ الْوَالِي بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا , أَوْ قَطْعِهِ أَوْ جَلْدِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ بَيْعِ مَتَاعِهِ , فَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ عَصَاهُ وَقَعَ بِهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ ظَهْرِهِ أَوْ مَالِهِ فَإِنْ أَطَاعَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَالْقَطْعُ وَالْغُرْمُ , وَغَرِمَ ثَمَنَ مَا بَاعَ . وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ فِيهِ مَوْطِنُهُ بَحْثُ ( الْإِكْرَاهِ ) .
الْمَبْحَثُ الثَّانِي الْعَاقِدَانِ وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْعَاقِدَانِ:
23 -مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ الْعَاقِدَانِ - الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ - وَالْحَنَفِيَّةُ يَعْتَبِرُونَهَا مِنْ أَطْرَافِ الْعَقْدِ لَا مِنْ أَرْكَانِهِ . وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا لِلِانْعِقَادِ الْعَقْلُ , فَلَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ مِنْ الْمَجْنُونِ وَلَا مِنْ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ , فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ . وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَاقِدَيْنِ لِلصِّحَّةِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا عَنْ تَرَاضٍ , فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ مَشُوبًا بِإِكْرَاهٍ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ . كَمَا يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمَنْ مَعَهُمْ لِلصِّحَّةِ وِلَايَةَ إنْشَاءِ الْعَقْدِ , فَعَقْدُ الْفُضُولِيِّ يُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ فَاسِدًا . وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَاقِدَيْنِ لِلنَّفَاذِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَلَّا يَكُونَ الْعَاقِدُ مُرْتَدًّا إنْ كَانَ رَجُلًا , لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ تَكُونُ مَوْقُوفَةً , بَيْنَمَا الصَّاحِبَانِ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَهُمْ نَافِذَةٌ . كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ لَهُ وِلَايَةُ إنْشَاءِ الْعَقْدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْوِلَايَةَ شَرْطٌ لِلنَّفَاذِ , بَيْنَمَا يَرَى الْآخَرُونَ أَنَّهَا شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ كَمَا سَبَقَ .
إجْبَارٌ التَّعْرِيفُ: