19 -مَا سَبَقَ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَوْ الْأَنْبِذَةِ عِنْدَ الْإِسْكَارِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْوَالِ الْعَادِيَّةِ . أَمَّا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ , وَيُرَخَّصُ شَرْعًا تَنَاوُلُ الْخَمْرِ , وَلَكِنْ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي تُبَاحُ بِهِ الْمُحَرَّمَاتُ , كَضَرُورَةِ الْعَطَشِ , أَوْ الْغَصَصِ , أَوْ الْإِكْرَاهِ , فَيَتَنَاوَلُ الْمُضْطَرُّ بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ , وَهَذَا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَى جَمِيعِهِ , بَلْ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أ - الْإِكْرَاهُ: 20 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى جَوَازِ شُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ , لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالْجَوَازِ أَلْزَمُوا شَارِبَ الْخَمْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ - وَكُلَّ آكِلِ حَرَامٍ أَوْ شَارِبِهِ - أَنْ يَتَقَيَّأَهُ إنْ أَطَاقَهُ , لِأَنَّهُ أُبِيحَ شُرْبُهُ لِلْإِكْرَاهِ , وَلَا يُبَاحُ بَقَاؤُهُ فِي الْبَطْنِ بَعْدَ زَوَالِ السَّبَبِ . وَلِزِيَادَةِ التَّفْصِيلِ رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: ( إكْرَاهٌ ) . ب - الْغَصَصُ أَوْ الْعَطَشُ: 21 - يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ شُرْبُ الْخَمْرِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا ( وَلَوْ مَاءً نَجِسًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ) لِإِسَاغَةِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا , بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ , خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِي يَرَى أَنَّ ضَرُورَةَ الْغَصَصِ تَدْرَأُ الْحَدَّ وَلَا تَمْنَعُ الْحُرْمَةَ . وَإِنَّمَا حَلَّتْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ لِدَفْعِ الْغَصَصِ إنْقَاذًا لِلنَّفْسِ مِنْ الْهَلَاكِ , وَالسَّلَامَةُ بِذَلِكَ قَطْعِيَّةٌ , وَهِيَ مِنْ قَبِيلِ الرُّخْصَةِ الْوَاجِبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . أَمَّا شُرْبُ الْخَمْرِ لِدَفْعِ الْعَطَشِ , فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ يُقَابِلُ الْأَصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إلَى جَوَازِ شُرْبِهَا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ , كَمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ , وَقَيَّدَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: إنْ كَانَتْ الْخَمْرُ تَرُدُّ ذَلِكَ الْعَطَشَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إنْ لَمْ تَرُدَّ الْعَطَشَ لَا يَجُوزُ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إلَى تَحْرِيمِ شُرْبِهَا لِدَفْعِ الْعَطَشِ , قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ الْعَطَشَ , بَلْ تَزِيدُهُ حَرَارَةً لِحَرَارَتِهَا وَيُبُوسَتِهَا . وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ حُرْمَةَ شُرْبِهَا بِكَوْنِهَا صَرْفًا , أَيْ غَيْرَ مَمْزُوجَةٍ بِمَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ , فَإِنْ مُزِجَتْ بِمَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ جَازَ شُرْبُهَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ . وَأَمَّا ضَرُورَةُ التَّدَاوِي فَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَحْثِ .