30 -الْإِسْقَاطُ مِنْ الْعِبَادِ يُعْتَبَرُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَتَنَازَلُ فِيهَا الْإِنْسَانُ عَنْ حَقِّهِ , فَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ تَبَرُّعٌ . وَلَمَّا كَانَ هَذَا التَّصَرُّفُ قَدْ يَعُودُ عَلَى الْمُسْقِطِ بِالضَّرَرِ , فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّتُهُ لِلتَّبَرُّعِ , وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا . فَلَا يَصِحُّ الْإِسْقَاطُ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ , لِأَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَقُولُونَ بِصِحَّةِ الْخُلْعِ مِنْ الصَّغِيرِ الَّذِي يَعْقِلُهُ , لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ عِوَضٍ لَهُ . وَيُشْتَرَطُ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ دَيْنٍ , وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّبَرُّعَاتِ , لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقِصَاصِ وَأَنْ يُخَالِعَ , لَكِنْ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ , وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ مِنْ الزَّوْجَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ , مَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ , وَلَا عَلَى الْمَدِينِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ . ر: ( حَجْرٌ , وَسَفَهٌ , وَأَهْلِيَّةٌ ) . وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَا إرَادَةٍ , فَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُ الْمُكْرَهِ , إلَّا مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ صِحَّةِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ مِنْ الْمُكْرَهِ . وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ وَغَيْرِ الْمُلْجِئِ . وَيُنْظَرُ فِي ( إكْرَاهٌ ) . وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ , إذَا كَانَ إسْقَاطُهُ لِكُلِّ مَالِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ , فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ وَقْتَ الْإِسْقَاطِ فَتَصَرُّفُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِلْأَجْنَبِيِّ , أَوْ بِأَقَلَّ لِلْوَارِثِ , يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ . ر: ( وَصِيَّةٌ ) . وَإِذَا كَانَ الْمَرِيضُ مَدِينًا وَالتَّرِكَةُ مُسْتَغْرَقَةٌ بِالدُّيُونِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِبْرَاءُ , لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ . وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ . وَفِي تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ خِلَافٌ بَيْنَ مَنْ يُجِيزُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ , وَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ , وَبَيْنَ مَنْ لَا يُجِيزُهُ وَهُمْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ ( فُضُولِيٌّ ) . وَقَدْ يَكُونُ مَلَكَ التَّصَرُّفَ بِالْوَكَالَةِ , وَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ يَقْتَصِرَ التَّصَرُّفُ عَلَى الْمَأْذُونِ بِهِ لِلْوَكِيلِ . وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِالْخُلْعِ , وَبِالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ , وَبِالصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ , وَفِي إبْرَاءٍ مِنْ الدَّيْنِ وَلَوْ لِلْوَكِيلِ , إذَا عَيَّنَهُ الْمُوَكِّلُ وَقَالَ لَهُ: أَبْرِئْ نَفْسَك . وَيُرَاعَى فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ وَمَا أَذِنَ فِيهِ . وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي ( وَكَالَةٌ ) . وَقَدْ يَكُونُ مَلَكَ التَّصَرُّفَ بِالْوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ , وَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ يَقْتَصِرَ تَصَرُّفُهُمَا عَلَى مَا فِيهِ الْحَظُّ لِلصَّغِيرِ وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ , فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّبَرُّعُ وَلَا إسْقَاطُ الْمَهْرِ وَلَا الْعَفْوُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ وَلَا تَرْكُ الشُّفْعَةِ إذَا كَانَ فِي التَّرْكِ ضَرَرٌ . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ ( ر: وِصَايَةٌ وِلَايَةٌ ) .