فالإسلام هو النظام الوحيد الذي يضمن للعالم الحكم بالسوية, ونسخ الطبقية في الحقوق والواجبات، والفوارق بين الأفراد في المعاملات، بالأخوة والمساواة في جميع ذلك.
وقد بان فشل هذه الأنظمة التي تدعي الحفاظ على حقوق جميع الرعية بالسوية, وأن هذه الدعوى يناقضها واقعها، وسياستها، وقوانينها.
فحقوق الإنسان التي تتنازع الأمم شرف وضعها، قد وضعها وطبقها النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بقرون، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده، وكثير من فضلاء الأمة الإسلامية الذين أناروا تاريخ العالم؛ مثل عمر بن عبد العزيز وغيره.
وفيما يأتي نماذج من عدالة هؤلاء, وتطبيقهم مبدأ المساواة بلا استثناء:
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للناس: « أما والله ما أرسل عمّالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم ؛ ولكن أرسلتهم ليعلّموكم دينكم وسنة نبيكم ، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إليّ ، فوالذي نفسي بيده إذن لأقصنّه منه، وقد رأيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقصّ من نفسه » .
وتخاصم عمر رضي الله عنه - وكان أمير المؤمنين - ورجل أمام شريح، فاختار خصمه شريحا للفصل بينهما ، فحكم شريح على عمر، فعيّنه عمر قاضيًا على الكوفة.
وأسلم ملك نصارى العرب جبلة بن الأيهم بن جبلة في زمان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه, فلما بلغ عمر إسلامه فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة . ، فركب في خلق كثير من قومه . قيل: مائة وخمسين راكبًا .
فلما سلم على عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وطء إزاره رجل من بني فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل .
ومن الناس من يقول: إنه قلع عينه، فاستعدى عليه الفزاري إلى عمر ومعه خلق كثير من بني فزارة، فاستحضره عمر فاعترف جبلة .
فقال له عمر: أقدته منك ؟
فقال: كيف، وأنا ملك وهو سوقة ؟ .
فقال: إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالتقوى .
فقال جبلة: قد كنت أظن أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية .
فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم ترضِ الرجل أقدته منك .
وأصر عمر على حتمية الاقتصاص منه؛ حتى أدى الأمر إلى فرار الرجل إلى الشام, والخروج عن الإسلام, كل ذلك وأمير المؤمنين يرى أن عليه الأخذ بحق هذا المظلوم الضعيف.
ولقد لقن عمر رضي الله عنه الناس بموقفه هذا درسا في غاية الأهمية, وهو أن عز الإسلام إنما هو في التزام العدالة والمساواة, وإن أدى ذلك إلى نفور بعض من في نفسه الكبر والتعالي على الناس عنه.
ضاع درع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, وهو أمير على المؤمنين في ذلك الوقت, فبحث عنه حتى وجده عند يهودي، فادعى كل واحد منهما أن الدرع له, فاحتكما إلى شريح ، فسأل عليّ بن أبي طالب البيّنة فعجز عن إقامتها ، فوجّه اليمين إلى خصمه اليهودي فحلف، فقال شرح: البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر ، وحكم بالدرع لليهودي ، فاستغرب اليهودي ذلك الأمر، وقال: قاضي أمير المؤمنين يحكم لي عليه! ، وأسلم .
إن شئت المزيد من هذه النماذج المتفردة ارجع إلى تاريخهم, فإنه مملوء بها. وكون هؤلاء الأفذاذ هكذا واحد من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم الكثيرة.
وفي الختام أقول: يتمحض من استظهار هذه الجوانب الخمسة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم شخصية لم يعرف التاريخ له مثيلا, وأن العالم - بما فيه من المؤمنين والكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم - مدين له بالاحترام والتوقير؛ للتغيير والإصلاح اللذين أوجدهما في العالم بأكمله. وأن عدم الاعتراف بهذه الحقيق عناد ومكابرة.
والله أعلم, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أخوكم في الله: أبو محمد مور كِبِي, خريج كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية (المدينة النبوية)
البريد الإلكتروني:morkebe@hikmah.org
الموقع الخاص: www.guiss.net
داكار - السنغال.
نظرات شرعية في فكر الدكتور حسن الترابي
سليمان بن صالح الخراشي
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد العزيز بن باز إلى حضرة الأخ الكريم الدكتور حسن الترابي وفقه الله لما فيه رضاه آمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
فأشفع لمعاليكم بهذا نسخة من الرسالة الواردة إلي ممن سمى نفسه (عبد البديع صقر ) صاحب مؤسسة الإيمان، المؤرخة في 24/11/1400هـ راجيًا من معاليكم بعد الاطلاع عليها التكرم بالإفادة عن صحة ما نسب إليكم فيها من الآراء ؛ لنعرف الحقيقة والشبهة التي أوجبت لكم هذه الأقوال إن صحت نسبتها إليكم ؛لمناقشتكم فيها على ضوء الأدلة .
ونسأل الله لنا ولكم وللمسلمين الهداية والتوفيق وصلاح النية والعمل
إنه خير مسؤول . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. وبعد:
فهذه نظرات شرعية في فكر الدكتور حسن الترابي - هداه الله - ، الذي أثر على كثيرين من محبي الإسلام في هذا الزمان ، سواء في بلده ( السودان ) ، أو في بلاد أخرى ، فاغتروا بفكره الحركي وتناسوا لأجله جميع انحرافاته الخطيرة - كما سيأتي - ، فلم يعرجوا عليها أو يناصحوه في شأنها إلا قليل منهم لم يرضوا لأنفسهم أن يغشوا الأمة أو يغرروا بشبابها ، مجاملة له أو خشية على انقسام الحركة الإسلامية - كما يقال - .