الباب الثالث
الخلاصة في أحكام الإكراه
هذه خلاصته من الموسوعة الفقهية:
رَدُّ الْإِبْرَاءِ:
26 -يَنْبَنِي اخْتِلَافُ النَّظَرِ الْفِقْهِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ . وَاَلَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حَاجَتُهُ لِلْقَبُولِ أَوْ عَدَمُ حَاجَتِهِ . فَالْحَنَابِلَةُ , وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ , وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَرْجُوحِ , وَهُمْ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ حَاجَتِهِ لِلْقَبُولِ , ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ , لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ كَالْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْخِيَارِ وَالطَّلَاقِ , لَا تَمْلِيكُ عَيْنٍ , كَالْهِبَةِ . وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ ( وَهُمْ الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمْ الْآخَرِ وَمَعَهُمْ فِي هَذَا الْحَنَفِيَّةُ الَّذِينَ رَاعَوْا مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى الْقَبُولِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ ) يَرَوْنَ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ . وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ هَلْ يَتَقَيَّدُ الرَّدُّ بِمَجْلِسِ الْإِبْرَاءِ , أَوْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ . وَاَلَّذِي فِي الْبَحْرِ وَالْحَمَوِيِّ عَلَى الْأَشْبَاهِ إطْلَاقُ صِحَّةِ الرَّدِّ فِي مَجْلِسِ الْإِبْرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ . وَالرَّدُّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْمُبَرَّأِ , أَوْ مِنْ وَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ , وَخَالَفَ فِي الثَّانِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَقَدْ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَسَائِلَ لَا يَرْتَدُّ فِيهَا الْإِبْرَاءُ بِالرَّدِّ وَهِيَ: 1 , 2 - الْإِبْرَاءُ فِي الْحَوَالَةِ ( وَالْكَفَالَةِ عَلَى الْأَرْجَحِ ) لِأَنَّهُمَا مُتَمَحِّضَانِ لِلْإِسْقَاطِ , لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ , لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ مَالٍ , لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ , وَالْإِسْقَاطُ الْمَحْضُ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ لِتَلَاشِي السَّاقِطِ , بِخِلَافِ التَّأْخِيرِ , لِعَوْدِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ . 3 - إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْإِبْرَاءِ طُلِبَ مِنْ الْمُبَرَّأِ بِأَنْ قَالَ أَبْرِئْنِي , فَأَبْرَأَهُ فَرَدَّ , لَا يَرْتَدُّ . 4 - إذَا سَبَقَ لِلْمُبَرَّأِ أَنْ قَبِلَهُ ثُمَّ رَدَّهُ لَا يَرْتَدُّ . الْمُبَرِّئُ وَشُرُوطُهُ: 27 - الْإِبْرَاءُ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ , يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَصَرِّفِ بِهِ الْأَهْلِيَّةُ التَّامَّةُ لِلتَّعَاقُدِ , مِنْ عَقْلٍ وَبُلُوغٍ , وَتَفْصِيلُهُ فِي الْكَلَامِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ وَالْعَقْدِ . وَلَكِنَّ الْأَهْلِيَّةَ الْمَطْلُوبَةَ هُنَا هِيَ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ , بِأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ أَوْ الْمَدْيُونِيَّةِ , عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَنْ ( الْحَجْرِ ) . وَتُشْتَرَطُ الْوِلَايَةُ , لِأَنَّ كُلَّ إبْرَاءٍ لَا يَخْلُو مِنْ حَقٍّ يَجْرِي التَّنَازُلُ عَنْهُ ( بِإِسْقَاطِهِ أَوْ تَمْلِيكِهِ ) , لِذَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ التَّنَازُلَ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْحَقِّ نَفْسِهِ أَوْ مَنْ يَتَصَرَّفُ عَنْهُ , فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ لِلْمُبَرِّئِ وِلَايَةٌ عَلَى الْحَقِّ الْمُبَرَّأِ مِنْهُ , وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهُ , أَوْ مُوَكِّلًا بِالْإِبْرَاءِ مِنْهُ , أَوْ مُتَصَرِّفًا بِالْفُضَالَةِ عَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ , وَلَحِقَتْهُ الْإِجَازَةُ مِنْ الْمَالِكِ , عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ ( فُضُولِيٌّ ) . وَالْعِبْرَةُ فِي وِلَايَةِ الْمُبَرِّئِ عَلَى الْحَقِّ الْمُبَرَّأِ مِنْهُ هُوَ بِمَا فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِمَا فِي الظَّنِّ . فَلَوْ أَبْرَأَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَالِ أَبِيهِ ظَانًّا بَقَاءَ أَبِيهِ حَيًّا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا حِينَ الْإِبْرَاءِ صَحَّ , لِأَنَّ الْمُبَرَّأَ مِنْهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ حِينَ الْإِبْرَاءِ فِي الْوَاقِعِ . وَيُشْتَرَطُ الرِّضَا , فَإِبْرَاءُ الْمُكْرَهِ لَا يَصِحُّ , لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِفَرَاغِ الذِّمَّةِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ . وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ مِمَّا يَشُوبُ شَرِيطَةَ الرِّضَا أَنْ يَعْلَمَ الْمَدِينُ وَحْدَهُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ , فَيَكْتُمُهُ عَنْ الدَّائِنِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْتَكْثِرَهُ فَلَا يُبَرِّئُهُ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ صَادِرٌ حِينَئِذٍ عَنْ إرَادَةٍ غَيْرِ مُعْتَبَرَةٍ . التَّوْكِيلُ بِالْإِبْرَاءِ: 28 - يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِالْإِبْرَاءِ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ الْخَاصِّ بِهِ , وَلَا يَكْفِي لَهُ إذْنُ الْوَكَالَةِ بِعَقْدٍ مَا , وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ بِشَأْنِ السَّلَمِ أَنَّهُ إذَا أَبْرَأَ وَكِيلُ الْمُسَلَّمِ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ بِلَا إذْنٍ لَمْ يُبَرَّأْ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ . فَلَوْ قَالَ لَهُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ: لَسْت وَكِيلًا وَالسَّلَمُ لَك وَأَبْرَأْتنِي مِنْهُ , نَفَذَ الْإِبْرَاءُ ظَاهِرًا , وَتَعَطَّلَ بِذَلِكَ حَقُّ الْمُسَلَّمِ , وَغَرِمَ لَهُ الْوَكِيلُ قِيمَةَ رَأْسِ الْمَالِ لِلْحَيْلُولَةِ , فَلَا يَغْرَمُ بَدَلَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ كَيْلًا يَكُونَ اعْتِيَاضًا عَنْهُ . كَمَا