الخامس: للإنسان قبل أن يؤمن بالإسلام الحق في أن يؤمن أو يكفر ، فإذا آثر أي ديانة من الديانات فلا اعتراض عليه ، ويبقى له حق الحياة والأمن والعيش بسلام . وإذا آثر الإسلام ودخل فيه وآمن به ، فعليه أن يخلص له ويتجاوب معه في أمره ونهيه وسائر هديه في أصوله وفروعه ، ثم بعد ذلك نقول: هل من حرية الرأي أن يمكن صاحبها من الخروج على هذا المجتمع ونبذ قواعده ومشاقة أبنائه ؟ هل خيانة الوطن أو التجسس لحساب الأعداء من الحرية ؟ هل إشاعة الفوضى في جنباته والاستهزاء بشعائره ومقدساته من الحرية ؟
إن محاولة إقناع المسلمين بقبول هذا الوضع مسفه . ومطالبة المسلمين بتوفير حق الحياة لمن يريد نقض بناء دينهم وتنكيس لوائه أمر عجيب !
ونقول بكل قوة: إن سرقة العقائد والنيل من الأخلاق والمثل أضحت حرفة لعصابات وطوائف من دعاة التنصر الكارهين للإسلام وكتابه ونبيه وأتباعه ، وما فتئوا يثيرون الفتن وأسبابها في كل ناحية من أجل هز كيان المجتمع وقلبه رأسا على عقب .
ويؤكد حقنا في رفع الصوت عاليا ما نرمقه من المواقف المفضوحة في بلاد الحريات - فرنسا وبريطانيا وأمريكا - من المسلمين الذين بدءوا يظهرون تمسكا بدينهم وظهورهم بالزي المحتشم رجالا ونساء مما أثار حفائظهم ، وبخاصة الفرنسيين في قضية الحجاب على الرغم من أن قوانينهم فيها نصوص تعطي الحق لأهل كل ديانة أن يلتزموا بدياناتهم ، ولكنهم بحجة الأمن والحفاظ على النظام العام كانت لهم تلك المواقف المكشوفة ، ومن حقنا كذلك أن نتذكر ما يجري لكثير من الأقليات المسلمة في روسيا وبلغاريا مما هو معلن فكيف بغير المعلن ، ثم إن عقوبة الإعدام موجودة في كثير من القوانين المعاصرة سواء لمهربي المخدرات أو غيرهم ، وهم لم يقولوا بها إلا لجدواها في القضاء على الجريمة والتخفيف منها وحماية لعموم المجتمع من سوئها ، ولم يقل أحد: إن تشريع عقوبة الإعدام في حق هؤلاء المفسدين مصادم لحريتهم إذا كانوا قد تجاوزوا في حرياتهم حتى سطوا على حريات الآخرين ، أو نغصوا عليهم في حياتهم الطبيعية الآمنة السوية .
وهناك إعدام من أجل الخيانة العظمى أو ما يشبهها ، ولم يكن هذا مصادما للحرية أو محل نقد لدى هذه المؤسسة التنصيرية وأشباهها ، مما يذكر بما قلناه أول الحديث من الشك في حسن النية في إثارة مثل هذه التساؤلات .
وفي ختام هذه الفقرة عن حرية الديانة والارتداد أنقل بعض الوقائع من مواقف الديانات الأخرى نحو المسلمين ، والتعسف والتعصب والحقد الدفين الذي يظهر واقعا حيا حين تتاح له فرصة الظهور .
يقول الكاتب"جيبون":"إن الصليبيين خدام الرب يوم استولوا على بيت المقدس في 15 \ 7 \ 1099 م رأوا أن يكرموا الرب بذبح سبعين ألف مسلم ، ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء في مذبحة استمرت ثلاثة أيام بلياليها ، حطموا رءوس الصبيان على الجدران ، وألقوا بالأطفال الرضع من سطوح المنازل ، وشووا الرجال والنساء بالنار ، وبقروا البطون ليروا هل ابتلع أهلها الذهب . . . ثم يقول الكاتب:"كيف ساغ لهؤلاء بعد هذا كله أن يضرعوا إلى الله طالبين البركة والغفران ؟" (1) ."
ويقول جوستاف لوبون عن فعل الصليبيين بمسلمي الأندلس:"لما أجلي العرب - يعني المسلمين - سنة 1610 م اتخذت جميع الذرائع للفتك بهم فقتل أكثرهم ، وكان من قتل إلى ميعاد الجلاء ثلاثة ملايين من الناس ، في حين أن العرب لما فتحوا أسبانيا تركوا السكان يتمتعون بحريتهم الدينية ، محتفظين بمعاهدهم ورئاستهم ، وقد بلغ من تسامح العرب طوال حكمهم في أسبانيا مبلغا قلما يصادف الناس مثله هذه الأيام" (2) .
وفي أيامنا هذه نقرأ في وثائق اليهود نحو أهل فلسطين:"يا أبناء إسرائيل: اسعدوا واستبشروا خيرا لقد اقتربت الساعة التي سنحشر فيها هذه الكتل الحيوانية في اصطبلاتها وسنخضعها لإرادتنا ونسخرها لخدمتنا" (3) .
وفي روسيا الشيوعية أغلقت الحكومة أربعة عشر ألف مسجد في مقاطعة تركستان ، وفي منطقة الأورال سبعة آلاف مسجد ، وفي القوقاز أربعة آلاف مسجد ، وكثير من هذه المساجد حولت إلى دور للبغاء ، وحوانيت خمر ، واصطبلات خيول وحظائر بهائم ، وفوق ذلك التصفية الجسدية للمسلمين ، ويكفي أن نعلم أنهم قتلوا في ربع قرن ستة وعشرين مليون مسلم مع تفنن في طرق التعذيب والقتل .
(1) العلاقات الدولية - لكامل الدقس ص 333
(2) حضارة العرب - جوستاف لوبون ص 279
(3) انظر مكائد يهودية عبر التاريخ لعبد الرحمن الميداني ص 446 وما بعدها نقلا عن وثائق اليهود التاريخية من نشر جواد رفعت في كتابه ( الإسلام وبنو إسرائيل ) .
والدول الشيوعية الدائرة في فلك روسيا حذت حذوها ، ففي يوغوسلافيا أباد تيتو ما يقارب مليون مسلم .
وفي سنواتنا الحاضرة هذه تنصب الملاحقة والمتابعة لجميع الحركات الإسلامية والتوجهات الإسلامية في الفلبين وأندونيسيا وشرق أفريقيا بصور ظاهرة مفضوحة ، فضلا عن الطرق الخفية في جميع بلاد المسلمين . فيا ترى أين الحرية ؟ ! ويا ترى من المتعصب ومن هو المتسامح ؟
تفسير قوله تعالى لا إكراه في الدين
مجلة البحوث الإسلامية - (ج 45 / ص 117)
س 15: يقول الله تعالى: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (1) ، هل هذه الآية خاصة باليهود والنصارى أم أنها عامة ؟
(1) سورة البقرة الآية 256