أن من آمن مكرها ، فإن إيمانه لا ينفعه ولا أثر له في الآخرة ، فلا بد في الإيمان أن يكون عن قناعة واعتقاد صادق واطمئنان قلب .
وقد جاء في القرآن الكريم: عن فرعون حين أدركه الغرق أنه أعلن الإيمان والتصديق بالله ربا ومعبودا ، ولكن ذلك لم ينفعه { حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ } (1) { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } (2)
وجاء في حكاية قوم آخرين: { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } (3) { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا } (4)
بل التوبة من الذنوب والمعاصي لا تكون مقبولة إلا إذا كانت عن اختيار وعزم صادق .
(1) سورة يونس الآية 90
(2) سورة يونس الآية 91
(3) سورة غافر الآية 84
(4) سورة غافر الآية 85
الثانية:
وظيفة الرسل والدعاة من بعدهم مقصورة على البلاغ وإيصال الحق إلى الناس ، وليسوا مسئولين عن هدايتهم واعتناقهم للدين واعتقادهم الحق ، فالمهمة هي البلاغ والإرشاد والمناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما الاهتداء والإيمان فليس إلى الرسل ولا الدعاة .
وهذا يؤكد جانبا من جوانب الحرية ألا وهو تحرر الإنسان من كل رقابة بينه وبين خالقه ، فالعلاقة مباشرة بين الإنسان وربه من غير واسطة أو تدخل من أحد مهما كانت منزلته ، سواء أكان ملكا أو نبيا أو غير ذلك .
ومما يؤكد ذلك في القرآن الكريم ما جاء في حق محمد صلى الله عليه وسلم { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ } (1) { لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ } (2)
الثالثة:
واقع غير المسلمين في بلاد المسلمين:
عاش الذميون وغيرهم في كنف الدولة الإسلامية دون أن يتعرض أحد لعقائدهم ودياناتهم ، بل لقد جاء في الكتاب الذي كتبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أول قدومه المدينة ليرسم به منهجا ودستورا في التعامل: « ومن تبعنا من يهود فإنه له النصرة والأسوة . . لليهود دينهم وللمسلمين دينهم . . وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم » ، وأقرهم على دينهم وأموالهم كما كان الحال مشابها مع نصارى نجران .
وصحابة الرسول من بعده ساروا على طريقه في معاملة غير المسلمين ، فكان من أقوال خليفته أبي بكر رضي الله عنه لبعض قواده:"أنتم سوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له".
ومن وصايا الخليفة الثاني عمر:"أوصي بأهل الذمة خيرا أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من وراءهم ، وألا يكلفوا فوق طاقتهم".
(1) سورة الغاشية الآية 21
(2) سورة الغاشية الآية 22
ومن أقوال علي الخليفة الرابع:"من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا" (1) .
وتاريخ الإسلام الطويل شاهد على أن الشريعة وأهلها قد كفلوا لأتباع الأديان الذين يعيشون في ظل الإسلام البقاء على عقائدهم ودياناتهم ، ولم يرغم أحد على اعتناق الإسلام .
ومعلوم لدى القاصي والداني أن هذا لم يكن موقف ضعف من دولة الإسلام ، بل كان هذا هو مبدأها حتى حين كانت في أوج قوتها أمة فتية قادرة .
ولو أرادت أن تفرض على الأفراد عقيدتها بالقوة القاهرة لكان ذلك في مقدورها ، لكنها لم تفعل .
الرابعة:
المسلم إذا تزوج كتابية ، فإنه لا يلزمها بالتخلي عن دينها والدخول في الإسلام ، بل لها الحق الكامل في البقاء على ديانتها وحقوق الزوجية محفوظة لها كاملة .
(1) راجع نصب الراية 3 \ 381
حكم الردة:
الكلام على الردة ينتظم عدة جوانب:
أولها: الإيمان بالإسلام المبني على الإكراه والجبر - غير معتد به - كما سبق - أي أنه لا يدخل الداخل فيه حقيقة إلا إذا كان عن اقتناع ورضا وتبصر ، ذلك أن النظرة العاقلة المنصفة تؤكد كمال هذا الدين ، وتنزهه عن الباطل ، وتحقيقه لحاجات البشر ، وتوافقه مع الطبائع السليمة التي فطر الله الناس عليها .
الثاني: في تاريخ الإسلام الطويل لا يكاد يذكر مرتد ارتد عن هذا الدين رغبة عنه وسخطا عليه ، وإن وجد فلا يخلو من أحد رجلين ، إما أن يكون لمكيدة يقصد بها الصد عن دين الله ، كما حصل من بعض اليهود في أول عهد الدعوة حينما تمالأ نفر منهم بأن يؤمنوا أول النهار ثم يكفروا في آخره من أجل إحداث البلبلة في المؤمنين ؛ لأن اليهود أهل كتاب ، فإذا حصل منهم هذا يختلج في بعض النفوس الضعيفة أن هؤلاء اليهود لو لم يتبينوا خطأ في هذا الدين الجديد لما رجعوا عنه ، فكان مقصودهم الفتنة والصد عن دين الله . وإما أن يكون هذا المرتد رجلا يريد أن يطلق لشهواته العنان ويتحلل من ربقة التكاليف .
الثالث: الخروج عن الإسلام يعتبر خروجا على النظام العام ، ذلك أن الإسلام دين كامل ، كما يهتم بعلاقة الإنسان بربه فهو يهتم بعلاقته بغيره من بني جنسه ؛ بين المرء وزوجه وبينه وبين أقربائه وجيرانه ، وفيما بينه وبين أعدائه حربا وسلما ، في شمول منقطع النظير ، عبادة ومعاملة وجناية وقضاء إلى سائر ما تنقسم إليه قوانين الدنيا بل أوسع من ذلك . وبناء على هذا فيجب النظر إلى الإسلام ككل متكامل ، وليس قاصرا فقط على علاقة العبد بربه كما يظنه غير المسلمين . وإذا كان ذلك كذلك فالردة تعني الخروج على النظام .
الرابع: في جعل العقوبة على الردة إباحة دم المرتد زاجر لمن يريد الدخول في هذا الدين مشايعة ونفاقا للدولة أو لأهلها ، وباعث له على التثبت في أمره فلا يعتنقه إلا على بصيرة وسلطان بين ، فالدين تكاليف وشعائر يتعسر الاستمرار عليها من قبل المنافقين وأصحاب المآرب المدخولة .