أَوَّلًا: الِامْتِنَاعُ مِنْ الْمُبَاحِ: 5 - مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْمُبَاحِ حَتَّى مَاتَ كَانَ قَاتِلًا نَفْسَهُ , مُتْلِفًا لَهَا عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ . لِأَنَّ الْأَكْلَ لِلْغِذَاءِ وَالشُّرْبَ لِدَفْعِ الْعَطَشِ فَرْضٌ بِمِقْدَارِ مَا يَدْفَعُ الْهَلَاكَ , فَإِنْ تَرَكَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدْ انْتَحَرَ , لِأَنَّ فِيهِ إلْقَاءَ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ . وَإِذَا اُضْطُرَّ الْإِنْسَانُ لِلْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ مِنْ الْمُحَرَّمِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ حَتَّى ظَنَّ الْهَلَاكَ جُوعًا لَزِمَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ , فَإِذَا امْتَنَعَ حَتَّى مَاتَ صَارَ قَاتِلًا نَفْسَهُ , بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ أَكْلَ الْخُبْزِ وَشُرْبَ الْمَاءِ فِي حَالِ الْإِمْكَانِ , لِأَنَّ تَارِكَهُ سَاعٍ فِي إهْلَاكِ نَفْسِهِ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } . وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى أَكْلِ الْمُحَرَّمِ , فَلَا يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ , لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يُبَاحُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ لقوله تعالى: { إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ } وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ , وَقَدْ تَحَقَّقَ الِاضْطِرَارُ بِالْإِكْرَاهِ , وَلَوْ امْتَنَعَ عَنْهُ حَتَّى قُتِلَ يُؤَاخَذُ بِهِ وَيُعَدُّ مُنْتَحِرًا , لِأَنَّهُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْهُ صَارَ مُلْقِيًا نَفْسَهُ إلَى التَّهْلُكَةِ . ثَانِيًا: تَرْكُ الْحَرَكَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ: 6 - مَنْ أُلْقِيَ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ رَاكِدٍ لَا يُعَدُّ مُغْرِقًا , كَمُنْبَسِطٍ يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهُ عَادَةً , فَمَكَثَ فِيهِ مُضْطَجِعًا مَثَلًا مُخْتَارًا لِذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ , يُعْتَبَرُ مُنْتَحِرًا وَقَاتِلًا نَفْسَهُ , وَلِذَلِكَ لَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ عَلَى الَّذِي أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ , لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَقْتُلْهُ , وَإِنَّمَا حَصَلَ الْمَوْتُ بِلُبْثِهِ فِيهِ , وَهُوَ فِعْلُ نَفْسِهِ , فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ . كَذَلِكَ إنْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهَا لِقِلَّتِهَا , أَوْ لِكَوْنِهِ فِي طَرَفٍ مِنْهَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ , فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ . وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَوْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا فَلَمْ يَخْرُجْ يَضْمَنُ , لِأَنَّهُ جَانٍ بِالْإِلْقَاءِ الْمُفْضِي إلَى الْمَوْتِ . وَفَارَقَ الْمَاءَ , لِأَنَّهُ غَيْرُ مُهْلِكٍ بِنَفْسِهِ , وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ النَّاسُ لِلسِّبَاحَةِ , أَمَّا النَّارُ فَيَسِيرُهَا يُهْلِكُ , وَلِأَنَّ النَّارَ لَهَا حَرَارَةٌ شَدِيدَةٌ , فَرُبَّمَا أَزْعَجَتْهُ حَرَارَتُهَا عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ , أَوْ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ بِأَلَمِهَا وَرَوْعَتِهَا . ثَالِثًا: تَرْكُ الْعِلَاجِ وَالتَّدَاوِي: 7 - الِامْتِنَاعُ مِنْ التَّدَاوِي فِي حَالَةِ الْمَرَضِ لَا يُعْتَبَرُ انْتِحَارًا عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ , فَمَنْ كَانَ مَرِيضًا وَامْتَنَعَ مِنْ الْعِلَاجِ حَتَّى مَاتَ , لَا يُعْتَبَرُ عَاصِيًا , إذْ لَا يَتَحَقَّقُ بِأَنَّهُ يَشْفِيهِ . كَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الْمَجْرُوحُ عِلَاجَ جُرْحٍ مُهْلِكٍ فَمَاتَ لَا يُعْتَبَرُ مُنْتَحِرًا , بِحَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى جَارِحِهِ , إذْ الْبُرْءُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ وَإِنْ عَالَجَ . أَمَّا إذَا كَانَ الْجُرْحُ بَسِيطًا وَالْعِلَاجُ مَوْثُوقًا بِهِ , كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَصْبَ الْعِرْقِ , فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ قَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ , حَتَّى لَا يُسْأَلَ جَارِحُهُ عَنْ الْقَتْلِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِخِلَافِهِ , وَقَالُوا: إنْ تَرَكَ شَدَّ الْفِصَادِ مَعَ إمْكَانِهِ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ , كَمَا لَوْ جُرِحَ فَتَرَكَ مُدَاوَاةَ جُرْحِهِ . وَمَعَ تَصْرِيحِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ تَرْكَ الْعِلَاجِ لَا يُعْتَبَرُ عِصْيَانًا , لِأَنَّ الْبُرْءَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ , قَالُوا: إنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِإِبْرَةٍ فِي غَيْرِ الْمَقْتَلِ عَمْدًا فَمَاتَ , لَا قَوَدَ فِيهِ فَقَدْ فَصَّلُوا بَيْنَ الْجُرْحِ الْمُهْلِكِ وَغَيْرِ الْمُهْلِكِ الشَّافِعِيَّةُ , فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ تَرْكَ الْجُرْحِ الْيَسِيرِ لِنَزْفِ الدَّمِ حَتَّى الْمَوْتِ يُشْبِهُ الِانْتِحَارَ . وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى نَصٍّ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
18 -إذَا أَمَرَ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ - أَمْرًا لَمْ يَصِلْ إلَى دَرَجَةِ الْإِكْرَاهِ - بِقَتْلِ نَفْسِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ , فَهُوَ مُنْتَحِرٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ , وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ , لِأَنَّ الْمَأْمُورَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِاخْتِيَارِهِ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } وَمُجَرَّدُ الْأَمْرِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاخْتِيَارِ وَلَا فِي الرِّضَى , مَا لَمْ يَصِلْ إلَى دَرَجَةِ الْإِكْرَاهِ التَّامِّ الَّذِي سَيَأْتِي بَيَانُهُ .
الْإِكْرَاهُ عَلَى الِانْتِحَارِ: