فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 1037

"فَمَنْ يَكْفُر بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاَللَّهِ"جَزْم بِالشَّرْطِ . وَالطَّاغُوت مُؤَنَّثَة مِنْ طَغَى يَطْغَى . - وَحَكَى الطَّبَرِيّ يَطْغُو - إِذَا جَاوَزَ الْحَدّ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ . وَوَزْنه فَعَلُوت , وَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ اِسْم مُذَكَّر مُفْرَد كَأَنَّهُ اِسْم جِنْس يَقَع لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِير . وَمَذْهَب أَبِي عَلِيّ أَنَّهُ مَصْدَر كَرَهَبُوتٍ وَجَبَرُوت , وَهُوَ يُوصَف بِهِ الْوَاحِد وَالْجَمْع , وَقُلِبَتْ لَامه إِلَى مَوْضِع الْعَيْن وَعَيْنه مَوْضِع اللَّام كَجَبَذَ وَجَذَبَ , فَقُلِبَتْ الْوَاو أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَتَحَرُّك مَا قَبْلهَا فَقِيلَ طَاغُوت , وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس . وَقِيلَ: أَصْل طَاغُوت فِي اللُّغَة مَأْخُوذَة مِنْ الطُّغْيَان يُؤَدِّي مَعْنَاهُ مِنْ غَيْر اِشْتِقَاق , كَمَا قِيلَ: لَآلٍ مِنْ اللُّؤْلُؤ . وَقَالَ الْمُبَرِّد: هُوَ جَمْع . وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة: وَذَلِكَ مَرْدُود . قَالَ الْجَوْهَرِيّ: وَالطَّاغُوت الْكَاهِن وَالشَّيْطَان وَكُلّه رَأْس فِي الضَّلَال , وَقَدْ يَكُون وَاحِدًا قَالَ اللَّه تَعَالَى:"يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ" [ النِّسَاء: 60 ] . وَقَدْ يَكُون جَمْعًا قَالَ اللَّه تَعَالَى:"أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت" [ الْبَقَرَة 257 ] وَالْجَمْع الطَّوَاغِيت ."وَيُؤْمِن بِاَللَّهِ"عَطْف ."فَقَدْ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى"جَوَاب الشَّرْط , وَجَمْع الْوُثْقَى الْوُثْق مِثْل الْفُضْلَى وَالْفُضْل , فَالْوُثْقَى فُعْلَى مِنْ الْوَثَاقَة , وَهَذِهِ الْآيَة تَشْبِيه . وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَة الْمُفَسِّرِينَ فِي الشَّيْء الْمُشَبَّه بِهِ , فَقَالَ مُجَاهِد: الْعُرْوَة الْإِيمَان . وَقَالَ السُّدِّيّ: الْإِسْلَام . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك , لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَهَذِهِ عِبَارَات تَرْجِع إِلَى مَعْنًى وَاحِد . ثُمَّ قَالَ:"لَا اِنْفِصَام لَهَا"قَالَ مُجَاهِد: أَيْ لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ , أَيْ لَا يُزِيل عَنْهُمْ اِسْم الْإِيمَان حَتَّى يَكْفُرُوا . وَالِانْفِصَام: الِانْكِسَار مِنْ غَيْر بَيْنُونَة . وَالْقَصْم: كَسْر بِبَيْنُونَةٍ , وَفِي صَحِيح الْحَدِيث ( فَيَفْصِم عَنْهُ الْوَحْي وَإِنَّ جَبِينه لَيَتَفَصَّد عَرَقًا ) أَيْ يُقْلِع . قَالَ الْجَوْهَرِيّ: فَصْم الشَّيْء كَسْره مِنْ غَيْر أَنْ يَبِين , تَقُول: فَصَمْته فَانْفَصَمَ , قَالَ اللَّه تَعَالَى: لَا اِنْفِصَام لَهَا"وَتُفْصَم مِثْله , قَالَهُ ذُو الرُّمَّة يَذْكُر غَزَالًا يُشَبِّههُ بِدُمْلُجِ فِضَّة: كَأَنَّهُ دُمْلُج مِنْ فِضَّة نَبَه فِي مَلْعَب مِنْ جَوَارِي الْحَيّ مَفْصُوم وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مَفْصُومًا لِتَثَنِّيه وَانْحِنَائِهِ إِذَا نَامَ . وَلَمْ يَقُلْ"مَقْصُوم"بِالْقَافِ فَيَكُون بَائِنًا بِاثْنَيْنِ . وَأفْصَمَ الْمَطَر: أَقْلَعَ . وَأَفْصَمَتْ عَنْهُ الْحُمَّى ."

وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

لَمَّا كَانَ الْكُفْر بِالطَّاغُوتِ وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ مِمَّا يَنْطِق بِهِ اللِّسَان وَيَعْتَقِدهُ الْقَلْب حَسُنَ فِي الصِّفَات"سَمِيع"مِنْ أَجْل النُّطْق"عَلِيم"مِنْ أَجْل الْمُعْتَقَد .

ويقول ابن كثير:

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت