فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 1037

لِلْبَأْسَاءِ وَقْعًا فَذَمَّهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } , فَمَنْ لَمْ يَسْتَكِنْ وَلَمْ يَذِلَّ لِلْمُؤْلِمَاتِ وَيُظْهِرْ الْجَزَعَ مِنْهَا وَيَسْأَلْ رَبَّهُ إقَالَةَ الْعَثْرَةِ مِنْهَا فَهُوَ جَبَّارٌ عَنِيدٌ بَعِيدٌ عَنْ طُرُقِ الْخَيْرِ , فَالْمَقْضِيُّ وَالْمَقْدُورُ أَثَرُ الْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ , فَالْوَاجِبُ هُوَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَقَطْ , أَمَّا الْمَقْضِيُّ فَقَدْ يَكُونُ الرِّضَا بِهِ وَاجِبًا كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْوَاجِبَاتُ إذَا قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ , وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَحَرَامًا فِي الْمُحَرَّمَاتِ , وَمُبَاحًا فِي الْمُبَاحَاتِ , وَأَمَّا الرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ , وَقَدْ { حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَوْتِ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ وَرَمْيِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ بِمَا رُمِيَتْ بِهِ } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ الْمَقْضِيِّ , وَالْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام طِبَاعُهُمْ تَتَأَلَّمُ وَتَتَوَجَّعُ مِنْ الْمُؤْلِمَاتِ وَتُسَرُّ بِالْمَسَرَّاتِ , وَإِذَا كَانَ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ بِهِ غَيْرَ حَاصِلٍ فِي طَبَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ فَغَيْرُهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَمِنْ الْكُرْهِ الْمُبَاحِ مَا يَنْقُصُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ , يَقُولُ الْغَزَالِيُّ: لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ يَكْرَهُ تَخَلُّفَ نَفْسِهِ وَنُقْصَانَهَا فِي الْمُبَاحَاتِ .

الرُّكْنُ الثَّانِي - الْكَفِيلُ :

15 -يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ فِي الْكَفِيلِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ ; لِأَنَّ الْكَفَالَةَ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ , وَعَلَى ذَلِكَ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ مِنْ الْمَجْنُونِ أَوْ الْمَعْتُوهِ أَوْ الصَّبِيِّ , وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا مَأْذُونًا أَوْ أَجَازَهَا الْوَلِيُّ أَوْ الْوَصِيُّ . إلَّا أَنَّ ابْنَ عَابِدِينَ قَالَ: إلَّا إذَا اسْتَدَانَ لَهُ وَلِيُّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْفُلَ الْمَالَ عَنْهُ فَتَصِحُّ , وَيَكُونُ إذْنًا فِي الْأَدَاءِ , وَمُفَادُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ يُطَالَبُ بِهَذَا الْمَالِ بِمُوجِبِ الْكَفَالَةِ , وَلَوْلَاهَا لَطُولِبَ الْوَلِيُّ , وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ مِنْ مَرِيضٍ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ . أَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ وَلَا كَفَالَتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الْحَنْبَلِيُّ إلَى أَنَّ كَفَالَةَ السَّفِيهِ تَقَعُ صَحِيحَةً غَيْرَ نَافِذَةٍ وَيُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ , كَإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ , وَكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا تَلْزَمُ الْكَفِيلَ الْمُكْرَهَ . أَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِلدَّيْنِ , فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ - , وَالْحَنَابِلَةُ , إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكْفُلَ ; لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ , وَالْحَجْرُ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لَا بِذِمَّتِهِ , فَيَثْبُتُ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ الْآنَ , وَلَا يُطَالَبُ إلَّا إذَا انْفَكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ وَأَيْسَرَ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ تَصِحُّ كَفَالَةُ الْمَرِيضِ مِنْ مَرَضِ الْمَوْتِ , بِحَيْثُ لَا يَتَجَاوَزُ - مَعَ سَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ - ثُلُثَ التَّرِكَةِ , فَإِنْ جَاوَزَتْهُ تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَبَرُّعٌ , وَتَبَرُّعُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ يَأْخُذُ حُكْمَ الْوَصِيَّةِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ ضَمَانَ الْمَرِيضِ يَكُونُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ , إلَّا إذَا ضَمِنَ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَاسْتَمَرَّ إعْسَارُهُ إلَى وَقْتِ وَفَاتِهِ , أَوْ ضَمِنَ ضَمَانًا لَا يَسْتَوْجِبُ رُجُوعَهُ عَلَى الْمَدِينِ , فَيَكُونُ حِينَئِذٍ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ , وَإِذَا اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ مَالَ الْمَرِيضِ - وَقَضَى بِهِ - بَطَلَ الضَّمَانُ إلَّا إذَا أَجَازَهُ الدَّائِنُ ; لِأَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الضَّمَانِ .

كيفيّة المفارقة الّتي يلزم بها البيع:

14 -المفارقة الّتي يلزم بها البيع هي المفارقة بالأبدان لا بالأقوال وتختلف المفارقة باختلاف مكان العقد ويعتبر في ذلك العرف , فما يعده النّاس تفرقًا يلزم به العقد وما لا فلا لأنّ ما ليس له حد شرعًا ولا لغةً يرجع فيه إلى العرف فإن كانا في دارٍ كبيرةٍ فبالخروج من البيت إلى الصّحن أو من الصّحن إلى الصفّة أو البيت , وإن كانا في سوقٍ أو صحراء أو في بيتٍ متفاحش السّعة فبأن يولّي أحدهما الآخر ظهره ويمشي قليلًا .

قال الشّربيني الخطيب ولو لم يبعد عن سماع خطابه , وقال البهوتي: ولو لم يبعد عنه بحيث لا يسمع كلامه في العادة خلافًا للإقناع .

وإن كانا في سفينةٍ أو دارٍ صغيرةٍ أو مسجدٍ صغيرٍ فبخروج أحدهما منه أو صعوده السّطح ولا يحصل التّفرق بإقامة سترٍ ولو ببناء جدارٍ بينهما , لأنّ المجلس باقٍ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت