( أ ) مَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَرْضِ: 10 - لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقْرِضِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ , أَيْ حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا رَشِيدًا , قَالَ الْبُهُوتِيُّ: لِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ , فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ , كَالصَّدَقَةِ , وَقَدْ أَكَّدَ الْكَاسَانِيُّ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْقَرْضَ لِلْمَالِ تَبَرُّعٌ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ عِوَضٌ لِلْحَالِ , فَكَانَ تَبَرُّعًا لِلْحَالِ , فَلَا يَجُوزُ إلَّا مِمَّنْ يَجُوزُ مِنْهُ التَّبَرُّعُ . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ فِي الْقَرْضِ شَائِبَةَ تَبَرُّعٍ , لَا أَنَّهُ مِنْ عُقُودِ الْإِرْفَاقِ وَالتَّبَرُّعِ , فَقَالَ صَاحِبُ"أَسْنَى الْمَطَالِبِ""لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهِ شَائِبَةُ التَّبَرُّعِ , وَلَوْ كَانَ مُعَاوَضَةً مَحْضَةً لَجَازَ لِلْوَلِيِّ - غَيْرِ الْقَاضِي قَرْضُ مَالِ مُوَلِّيهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ , وَلَاشْتُرِطَ فِي قَرْضِ الرِّبَوِيِّ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ , وَلَجَازَ فِي غَيْرِهِ شَرْطُ الْأَجَلِ , وَاللَّوَازِمُ بَاطِلَةٌ". وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْمُقْرِضِ لِلتَّبَرُّعِ تَسْتَلْزِمُ اخْتِيَارَهُ , وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ إقْرَاضٌ مِنْ مُكْرَهٍ , قَالُوا: وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ , أَمَّا إذَا أُكْرِهَ بِحَقٍّ , بِأَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِقْرَاضُ لِنَحْوِ اضْطِرَارٍ فَإِنَّ إقْرَاضَهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ يَكُونُ صَحِيحًا . وَفَرَّعَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى اشْتِرَاطِ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ فِي الْمُقْرَضِ عَدَمَ صِحَّةِ إقْرَاضِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ لِمَالِ الصَّغِيرِ , وَفَرَّعَ الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ صِحَّةِ قَرْضِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ لِمَالَيْهِمَا , أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا فِي الْمَسْأَلَةِ وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ إقْرَاضُ الْوَلِيِّ مَالَ مُوَلِّيهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ , أَمَّا الْحَاكِمُ فَيَجُوزُ لَهُ عِنْدَهُمْ إقْرَاضُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ - خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ - بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُقْتَرِضِ وَأَمَانَتِهِ وَعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِي مَالِهِ إنْ سَلَّمَ مِنْهَا مَالَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ , وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ , وَيَأْخُذُ رَهْنًا إنْ رَأَى ذَلِكَ . ( ب ) مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُقْتَرِضِ: 11 - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقْتَرِضِ أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ دُونَ اشْتِرَاطِ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ , وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْمُقْتَرِضِ تَمَتُّعُهُ بِالذِّمَّةِ ; لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الذِّمَمِ , ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ عَدَمَ صِحَّةِ الِاقْتِرَاضِ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ ; لِعَدَمِ وُجُودِ ذِمَمٍ لِهَذِهِ الْجِهَاتِ عِنْدَهُمْ , أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى شُرُوطٍ خَاصَّةٍ لِلْمُقْتَرِضِ , وَاَلَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ فُرُوعِهِمْ الْفِقْهِيَّةِ اشْتِرَاطُهُمْ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ فِيهِ , بِأَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا , وَعَلَى ذَلِكَ قَالُوا: إذَا اسْتَقْرَضَ صَبِيٌّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ شَيْئًا فَاسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ , فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ , فَإِنْ تَلِفَ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ , فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ بَاقِيَةً فَلِلْمُقْرِضِ اسْتِرْدَادُهَا , وَهَذَا الْحُكْمُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ اقْتِرَاضِ الْمَحْجُورِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ , وَجَاءَ فِي جَامِعِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ لِلْأُسْرُوشَنِيِّ: اسْتِقْرَاضُ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ يَجُوزُ , وَكَذَا اسْتِقْرَاضُ الْوَصِيِّ لِلصَّغِيرِ , فَقَدْ ذُكِرَ فِي رَهْنِ"الْهِدَايَةِ": وَلَوْ اسْتَدَانَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ فِي كِسْوَتِهِ وَطَعَامِهِ وَرَهَنَ بِهِ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ جَازَ ; لِأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ جَائِزَةٌ لِلْحَاجَةِ , وَالرَّهْنُ يَقَعُ إيفَاءً لِلْحَقِّ , فَيَجُوزُ .