فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 1037

إننا بحاجة إلى معرفة الفكر السياسي الإسلامي من مصادره في الوقت الذي تسعى الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية تصدير نموذجها وديموقراطيتها القائمة على الانتخابات التي تحددها المصالح المادية للقائمين على الحملات الانتخابية والشركات التي تمول هذه الحملات.

بينما يقوم الفكر السياسي الإسلامي على تولية الأصلح وفقًا للمعايير الإسلامية .

شخصية الرسول صلى اتلله عليه وسلم

أبو محمد مور كِبِي

خريج كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية

بالجامعة الإسلامية (المدينة النبوية)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين, وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن كل من تأمل شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجرد وإنصاف يدرك حقيقة, هي أنه صلى الله عليه وسلم أكبر شخصية عرفه التاريخ.

ولعلك أول ما تقرأ هذا الكلام أو تسمعه ستقول: هذا مجرد دعوى, وليس عليها أي دليل مقنع؛ بل فاعل ذلك هو فلان أو فلان؛ ممن تعرفهم أو تأثرت بهم, لكن اسمح لي أن أطرح عليك سؤالا واحدا, وحسن ظني بك أنك عاقل ومنطقي, وأنك مؤهل لخوض أية مناقشة علمية جادة, إذن فلا تغمض عينيك لتكتفي بما عندك ولا تسمع ما عند الآخر, بل من دلائل رجاحة عقلك أن تستمع إلى الآخر وإن خالفك في الرأي, فإن كان الحق فيما يقوله استفدته منه وهو ربح, وإن كان فيما كنت تعتقد ازددت عليه يقينا وهو ربح, ولكن كن متجردا تريد الحق حقا.

والسؤال الذي أطرحه عليك وآمل منك الجواب عنه بإنصاف هو: بما أنك منطقي ومنصف مع الناس, هل نفيك لما قلته مبني على علم صحيح عن محمد وتاريخه, أو هو مبني على قيل وقالوا ؟

أو على تصوير مشوه له ولتاريخه ؟

أو هو مبني على ما تراه وتسمعه يوميا من أحداث وتهم تلصق بالإسلام والمسلمين؛ حتى أوجد ذلك منك ردة فعل, ولذلك لا يمكنك قبول ما قلت ؟

أو أنك - بكل صراحة - من العصبيين الذين ينظرون إلى العرب نظر دون, ويرون أنهم أحقر من أن يكون منهم ذاك الرجل ؟

وأنا - إن شاء الله - سأبين لك رجاحة ما قلته في حديثي معك, إن منحتني فرصة لبيان ذلك, بأن تنظر معي في شخصيته صلى الله عليه وسلم من خلال خمسة جوانب مهمة جدا في التحقق من صدق ما قلته:

الجانب الأول: ما الوقت الذي بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟

الجانب الثاني: أي قوم عايشهم, وعلى أي مستوى كانوا من الحضارة.

الجانب الثالث: ما حال بقية العالم آنذاك, وهل كان ثم ما يغني عن نظام جديد أو لا ؟

الجانب الرابع: مقارنة الوضع قبل, بالوضع بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ للتحقق من هل حدث بالفعل تغير وانقلاب - سلبا أو إيجابا- في سير العالم أم لا ؟

الجانب الخامس: مقارنة الوسائل التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير ذاك النظام السائد في ذلك الوقت؛ لمعرفة هل الحكمة كانت تقتضي استعمالها - بعجالتها - لإحداث التغيير الذي كان لا بد منه ؟

أم تقتضي إبقاء المجتمع على الوضع المتفكك الذي كان عليه ؟

هذه التساؤلات الخمسة, يمهد لنا الجواب عنها الطريق إلى تصور مدى التجديد والإصلاح اللذين حدثا في سيران العالم بمجيء هذا الرجل العظيم, وهل كان العالم في حاجة إليهما أم لا ؟

وأنه أكبر شخصية عرفه التاريخ البشري.

الجانب الأول: هل الوقت الذي بعث فيه الرسول صلى الله عليه وسلم كان مناسبا للانقلاب والإصلاح اللذين أوجدهما في العالم ؟

إن الوقت الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فترة من الوحي السماوي, وكان الناس قد سلطوا عقولهم وأيديهم على البقية الموروثة من تعاليم الرسل بالتغيير والتبديل؛ حتى اندثرت تلك التعاليم بالكلية من بعض المجتمعات, وبالأغلبية من البعض الآخر.

ودعوات الرسل التي ظهرت قبل, لم تشمل الشعوب جمعاء, فلم تتصف أي واحدة منها بالعالمية والشمولية التي لا تخص شعبا دون شعب, بل كانت كلها منحصرة في ساحة قوم دون غيرهم.

الأمر الذي أوجد فراغا روحيا في العالم لم يكن من تغطيته بد, وواقع الحال في ذلك الوقت شاهد بأن الأديان والأنظمة السائدة آنذاك لم يكن لها أن تصد ذاك الفراغ الموجود, وأن صده يتطلب دينا قويا مع نظام جديد؛ ليوجه سير العالم نوح الأكمل والأفضل.

فاليهودية التي كانت موجودة في الوقت, لم تصلح لصد هذا الفراغ؛ لأنها دين لا تعبه بضلال غير اليهود أو رشادهم, بل إن اليهود جعلوا منها رمزا للعنصرية والفوقية على سواهم, ويستغلون الجهل المطبق على العالم؛ لفرض تسلطهم على الناس واستعبادهم, وهذا ما زال ولا يزال هو دأبهم.

ودين الأمة الغضبية الذين انسلخوا من رضوان الله كانسلاخ الحية من قشرها، وباؤا بالغضب والخزي والهوان، وفارقوا أحكام التوراة ونبذوها وراء ظهورهم واشتروا بها القليل من الأثمان، فترحل عنهم التوفيق وقارنهم الخذلان واستبدلوا بولاية الله وملائكته ورسله وأوليائه ولاية الشيطان. (1)

فكيف يصد فراغا, أو يهدي ضلالا ؟

واليهود لم يكن لهم قوى منبثقة من دينهم تكنهم من سياسة الأرض بنظام عادل, وكل ما عندهم إنما هو امتصاص واستغلال قوة غيرهم, بالتملق والتطفل على الإمبراطورات المسيطرة على الناس, واستمالتها حتى تكون في صالح اليهود.

وأما النصرانية, فعلى الرغم من كونها دينا لبعض العرب في ذلك الوقت؛ إلا أنها لم تتصف بالشمولية والعالمية اتصافا ذاتيا, بل شموليتها - إن كانت - شيء أحدث فيها بعد موت عيسى عليه السلام, فإنه كان يخاطب برسالته قومه بني إسرائيل لا غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت