فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 1037

وثانيًا أن حركة الإخوان انطلقت من الإسماعيلية وكان هدفها الأول التأكيد على هوية الفرد المسلم وإشعاره بكيانه وذاتيته. وقد روى الشيخ حسن البنا نفسه العديد من القصص حول تحول العمال من تابعين أذلاء إلى موظفين يحرصون على كرامتهم ( [342] ) . وقد بلغ ذلك عن طريق التعليم والخطب والمحاضرات والمواعظ وإنشاء المدارس والمساجد. وقد استطاع البنا أن يصل بدعوته في فترة التأسيس إلى خارج الإسماعيلية بإنشاء شُعَبٍ في عدة مناطق. كما واجهت الدعوة موجة من العداء شارك فيها بعض النصارى. وقد قوّم زكريا سليمان بيومي هذه الفترة الأولى وبين أن السياسة لم تنفصل مطلقًا عن فكرة الدعوة بقوله:"فقد أثبت الشعب المصري بتأييده السريع للإخوان استمرار تمسكه لا بالدين الإسلامي من حيث هو عقيدة وتراث وحضارة وتقاليد فحسب، وإنما لكونه فكرة سياسية كذلك" ( [343] ) .

وكان انتقال البنا بدعوته إلى القاهرة حدثًا سياسيًا في حد ذاته، كما عقدت الجماعة مؤتمرين في عام واحد، تناول الأول منهما موضوع التنصير، وكان من توصياته إرسال خطاب إلى الملك فؤاد يطلب منه اتخاذ موقف ضد هذه الجماعات ويرى سليمان بيومي في هذا الأمر احتكاك البنا بالقوى السياسية في القصر باعتبارها مسؤولة عن الشؤون الدينية ( [344] ) ، وقد فات بيومي أن الجماعات التنصيرية كان لها ارتباطاتها الخارجية وأنها كانت تقوم بدور سياسي. أما المؤتمر الثاني فقد اتخذ قرارًا بإنشاء شركة طباعة، وبحث قضايا النشر والدعاية التعليمية ( [345] ) .

وبعد سبعين سنة على بداية جماعة الإخوان المسلمون تتكرر الاتهامات لهذه الجماعات بالسعي للإطاحة بالأنظمة الحاكمة لتبرير ضرب هذه الحركات. فقد كان موقف الإخوان من الحكومة المصرية في العهد الملكي هو السعي إلى تطبيق الإسلام وتأييد الدعوة إليه وفي ذلك يقول البنا:"فموقفنا إذا من وزارة علي باشا ماهر هو موقفنا من أية وزارة، موقف قديم لا يتغير من الوزارات ولا بتبدل الوزراء، فمن أيد الفكرة الإسلامية وعمل لها واستقام في نفسه وفي بيته وتمسك بتعاليم القرآن في حياته الخاصة والعامة كنّا له مؤيدين ومشجعين….ولن نحدد موقفنا ولن نصدر حكمًا إلاّ على أعمال لا أقوال" ( [346] ) .

ويورد لويس بعض الحقيقة حين يعترف بأن صورة العنف والتعصب الأعمى التي يوصف بها الإخوان ليست كلها من صنع أيديهم حيث ضخمها وبالغ فيها أعداؤهم. فهذا يتضمن أن الإخوان يتحملون جزءًا من المسؤولية ، ولم يبد لويس رأيه فما إذا كان الإخوان فعلًا يتصفون بالعنف والتعصب وكن حديثه عنهم في أماكن متعددة من أنها حركة نصف علنية تعمل من خلال الخلايا السرية وغير ذلك يؤكد أن لويس لا ينفي التعصب والعنف عن الجماعة. ولكن هذه الافتراضات لا صحة لها لو درس لويس حياة الإخوان وفكرهم ومبادئهم. وكان على لويس المؤرخ الذي يدعي الموضوعية أن لا يكتفي بهذه العبارة الموجزة عن عنف الإخوان المزعوم فيوضح أن العنف كان سمة من سمة الحكومات في تعاملها مع الإخوان. ومن السهل على لويس وغيره من المستشرقين أن يصف الحركات الإسلامية بالعنف والاستبداد فهذا أمر طبيعي في رؤية الاستشراق للحركات الإسلامية عامة.

الخاتمة

الاهتمام بالفكر السياسي الإسلامي من أبرز الموضوعات التي تناولها المستشرقون بالبحث ذلك أن من أبرز ما يميز أمة عن أخرى هو فكرها السياسي وأوضاعها السياسية. ويرى الدكتور عبد الله النفيسي أن السياسة تؤثر في شؤون الحياة جميعها من تعليم واقتصاد وثقافة وتعليم وبرامج ثقافية وغير ذلك. وقد تحدث ابن باديس ذات مرة في تونس مشيرًا إلى أن العلم لا ينهض بحق إلا ّ إذا نهضت السياسة . ولا تنفصل السياسة في الإسلام عن التصور العقدي لمكانة الإنسان في هذا الكون وعلاقته بعناصر الكون المختلفة .

وقد اهتم لويس بجانب الفكر السياسي انطلاقًا من تخصصه في التاريخ الإسلامي ولكنه وقع في العديد من الأخطاء المنهجية من أبرزها ما يأتي:

أولًا: إسقاط النظرة الغربية على الفكر السياسي الإسلامي.

ثانيًا: إسقاط المصطلحات المعاصرة على قضايا فكرية

ثالثًا: تشويه الحقائق أو تجاهلها أو الجهل بها.

رابعًا: اعتماد بعض المصادر التي لا يصح الاستناد إليها في بحث مثل هذه القضايا.

خامسًا: الانطلاق من وجهات نظر مسبقة والبحث عن أدلة لها دون التحقق من صحة هذه الأدلة أو البراهين.

سادسًا: تكرار أفكار وآراء غيره من المستشرقين دون الإشارة إليها كما فعل مثلًا مع افتراضاته حول حركة (الإخوان المسلمون)

سابعًا: عدم الاعتماد على المصادر الإسلامية الأصيلة بالنسبة للفكر السياسي الإسلامي ، كما أغفل لويس مصادر الحركات الإسلامية المعاصرة مثلما فعل في دراسته حول الإخوان المسلمين أو الحركات الإسلامية الأخرى ( الأصولية )

وقد ناقش البحث منهج لويس في دراسة الفكر السياسي الإسلامي وأوضح الأخطاء المنهجية التي وقع فيها. وأثبت الباحث أن للمسلمين فكر سياسي ينطلق من العقيدة الإسلامية ومن السوابق التاريخية منذ بداية دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ثم إنشائه الدولة في المدينة المنورة إلى قيام الخلافة الراشدة.

ولا بد من الإشارة إلى أن البحث لم يتضمن بعض القضايا التي ناقشها لويس في الفكر السياسي الإسلامي مثل قيام الخلافة الإسلامية الراشدة وذلك لأن لويس لم يكن أصيلًا في هذا البحث حيث كرر شبهات وأخطاء غيره من المستشرقين من أمثال كايتياني وتوماس آرنولد ولامانس وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت