فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 1037

ويجمل لويس صورة (الإخوان المسلمون) بقوله:"والصورة التي تعكس الإخوان المسلمون هي صورة العنف والتعصب الأعمى، وليست كلها من صنع أيديهم، فلقد ضخمها وبالغ فيها أعداؤهم" ( [336] ) .

المناقشة:

كان لابد لبرنارد لويس أن يتحدث عن الإخوان المسلمون فهم من أكبر الحركات الإسلامية في العصر الحاضر إن لم يكونوا أكبر حركة إسلامية في العصر الحاضر، وقد أصبح لها امتدادها في جميع أنحاء العالم الإسلامي كما أن الإنتاج الفكري للمنتسبين لهذه الحركة يغطى مساحة واسعة من الإنتاج الفكري في العالم الإسلامي. ولم يكن لويس باحثًا أصيلًا مدققًا في ما كتبه عن هذه الحركة بالرغم من أنه سبقه عدد كبير من الباحثين الغربيين الذين كتبوا عن هذه الحركة. ولم تخرج بعض آراء لويس عن آراء من سبقه من المستشرقين.

وأول أخطائه المنهجية أنه ادعى أن بدايات الحركة كانت غامضة وأنه يمكن أن تكون قد تأسست في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، مع أن التاريخ الدقيق لهذه الحركة معروف تمامًا منذ البدايات، وقد صدر لهذه الحركة العديد من الإصدارات من كتب ومجلات مما يجعل الباحث قادرًا على تجلية هذه الأمور التي يدعي لويس غموضها. وهذا الخطأ المنهجي الذي يقع فيه لويس وغيره من المستشرقين إنما يقصد منه التقليل من شأن الموضوع مدار البحث فهو حين يضفي الغموض على قضية من القضايا يجعل ذلك مبررًا لوضع فرضاياته التي لا تستند إلى أي دليل، فليس من المعقول أن يجهل تاريخ حركة الإخوان وقد بدأت الدراسات الاستشراقية حول هذه الحركة في وقت مبكر.

أما ربط قبول الشعب المصري لحركة الإخوان بكره الطبقات الكادحة المظلومة لمستغليها من السادة المتغربين مثلما تكره الغربيين أنفسهم، فثمة عدة أخطاء منهجية في ذلك أولها: التمسك بالتفسير المادي لأحداث التاريخ أو الأحداث المعاصرة، وهي شبهة قديمة أطلقها لويس وغيره على أوائل الذين اتبعوا الدين الإسلامي. وقد سبق لويس إلى هذه الفكرة اليهودي ناداف سافران الذي يقول عن الإخوان"وعندما سبب التدهور الاقتصادي بؤسًا وفقرًا في المجتمع المصري، قدمت الحركة للجماهير برنامجها الاجتماعي الذي تقوم عمده على مفهوم وحدة الأمة ومسؤولياتها الجماعية عن أحوال الأمة" ( [337] ) . وممن قال بهذا الرأي جورج لينتشاوسكي حيث كتب يقول:"ولقد اتجه حسن البنا في بادئ الأمر إلى الطبقات المظلومة والفقيرة، ثم بعد ذلك انتشرت دعوته في الأوساط المثقفة. وهو منذ البداية يحاول أن يكسب تعاون ذوي النفوذ" ( [338] ) .

كانت دعوة الإخوان كما هو الحال في أي دعوة إلى العودة إلى الإسلام تتوجه إلى جميع طبقات الشعب ولا يعيبها أبدًا إن توجهت للطبقات"الكادحة"و"المطحونة"أو الفقيرة لأن هذه الطبقات لم يفسدها التغريب، ولذلك فهي أقرب إلى قبول الحق والدعوة إلى الله. وقد كانت قيادة الأحزاب المتغربة تتظاهر بأنها تحارب الاستعمار فيما هي في الحقيقة تقلده، وتتبع خطواته، وقد صرح مانفرد هالبرن Manfred Halpern بأن الإخوان قد وعدوا بتوجيه معركتهم أساسًا ضد الحكام والرأسماليين الأجانب ( [339] ) ، ومع ذلك فقد توجه حسن البنا إلى جميع طبقات المجتمع وفي ذلك يقول البنا إنه عندما بدأ دعوته في الإسماعيلية كان قد قرر دراسة الناس والأوضاع دراسة دقيقة ومعرفة عوامل التأثير في هذا المجتمع الجديد، وقد عرفت أن هذه العوامل أربعة: العلماء أولًا، وشيوخ الطرق ثانيًا ، والأعيان ثالثاُ، والأندية رابعًا ( [340] ) .

ومن أخطاء لويس المنهجية تجاهل الحقائق فوصفه لجماعة الإخوان بأنها"نصف علنية"غير صحيح فالجمعية علنية ولم يقدم لويس الدليل على الافتراضات الأخرى التي ذكرها من الحديث عن الخلايا السرية والفتوة والطابع العسكري. ولكن جهل لويس للإسلام أو تجاهله له جعله ينظر إلى هذه الأمور هذه النظرة القاصرة. فالتدريب العسكري إن وجد عند الإخوان فإنه جزء من التربية الإسلامية فإن الرسول e ما أن استقر في المدينة المنورة حتى بدأ في إرسال السرايا من المهاجرين، ثم بدأت التدريبات العسكرية قريبًا من جبل سليع بالمدينة المنورة في المنطقة التي كانت تعرب بباب الشامي.

وقد حدد لويس بداية دخول جماعة الإخوان في المعترك السياسي بعام 1936م، أو بعد عام 1940م، فهذا التحديد التاريخي خطأ من أكثر من جهة وهو أن الإسلام لا يفصل بين السياسة والحياة. ألم يدرك لويس وغيره كيف أن القرآن الكريم تناول قضايا الحكم والسياسة في حديثه عن داود وسليمان عليهما السلام؟ ألم يدرك أن القرآن تحدث عن طالوت الذي جعله الله ملكًا على اليهود وكيف أنهم اعترضوا على ذلك بأنه لم يؤت سعة في المال؟ )ولم يؤت سعة من المال (( [341] ) . ألا يعلم لويس كم مرة ذُكر فيها فرعون في القرآن الكريم وأن كثيرًا من السياقات التي وردت سياسية بحتة؟ ألا يعرف قصة يوسف عليه السلام وتوليه المسؤوليات المالية في مصر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت