فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 1037

ومن أخطائه المنهجية أيضًا نظرة الاستعلاء عند ما يصف لويس الإسلام بالمعدن الصلب ويصف الهجمة الغربية بالمطرقة، ويتأكد ذلك حين يصف المسلمين بالعالم المغلوب وهو هنا يخلط بين الإسلام وأوضاع المسلمين؛ إذ لا يمكن إنكار أن المسلمين في وضع المغلوب في العصر الحاضر، ولكن هذا لا ينطبق على الإسلام الذي هو رسالة الله الأخيرة لعباده وهو قوة الغد العالمية مهما كانت قوة المطرقة"الحضارة الغربية"وهو ما يؤمن به المسلمون للنصوص التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها (لا تقوم الساعة حتى لا يبقى بيت حضر أو مذر إلاّ وفيه شيء من لا إله إلاّ الله بعز عزيز أو ذل ذليل) ، وكذلك حديث نزول عيسى وكسر الصليب وارتفاع راية لا إله إلاّ الله من جديد.. وغيرها من المبشرات.

وثمة أخطاء منهجية أخرى في حديث لويس عن عداء الحركات الإسلامية"الأصولية"للتحديث والعلمانية. وهذه من مزاعم لويس التي لم يقدم عليها الدليل بل إنه ناقض نفسه حينما ذكر أن الثورة الإيرانية مثلًا أخذت ببعض الوسائل الغربية في الحكم كالبرلمانات والتصويت. فالعداء للعلمانية قضية مسلم بها ذلك أن الإسلام لا يفصل بين الدين والحياة، وهو يعلم أن الإسلام منهج متكامل للحياة في السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وفي كل مجالات الحياة. أما العلمانية التي ترى أن ينحصر دور الإسلام في العبادات والطقوس فأمر لا شك أن الحركات الإسلامية تعاديه بل يعادي ذلك كل مسلم متمسك بدينه لأنه يتلو قول الحق سبحانه وتعالى ) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين(

وقد خلط لويس بين التحديث والتغريب فالمسلمون لم يكونوا قط ضد المدنيّة وإلاّ لما تعلم المسلمون في القرن الأول صناعة الأسلحة من الفرس والروم ثم تفوقوا عليهما. ولما أخذ المسلمون بكثير من أساليب الإدارة والحكم بعد أن هذبوها وفقًا للشريعة الإسلامية. وقد شهدت الحضارة الإسلامية في عصورها الزاهرة الصناعات. والمسلمون يستندون إلى كتاب الله العزيز في الأخذ بأسباب المدنية وعمارة الأرض. ومن ذلك ما كتبه عبد الحميد بن باديس في تفسير قوله تعالى )أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ( حيث فسرها بقوله:"والذي أفهمه ولا أعدل عنه هو أن المصانع جمع مصنع من الصنع كالمعامل من العمل، وأنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة ويقتضيها العمران. وهل كثير على أمة توصف بما وصفت به في الآية أن تكون لها مصانع بمعناها العرفي عندنا؟ بل وإن المصانع لأول لازم من لوازم العمران وأول نتيجة من نتائجه"( [329] ) .

ونقف عند زعمه معاداة الحركات الإسلامية"الأصولية"للغرب، وبخاصة أمريكا التي تتزعم الغرب الآن فقد قدم جون اسبوزيتو- وهو حريص على مصلحة الغرب- شهادته أمام الكونجرس موضحًا أسباب هذا العداء وهي:

أولًا:أن أمريكا أخضعت كل سياساتها في المنطقة لصالح إسرائيل في الصراع العربي الإسرائيلي.

ثانيًا: التدخل الأمريكي في صراعات محلية داخلية.

ثالثًا: فشل الولايات المتحدة في التمييز بين الحركات الإسلامية المعتدلة والمتشددة ووصم الجميع بالتطرف والعنف.

رابعًا: أن الأمريكيين يفترضون أن المزج بين الدين والسياسة سيؤدي إلى ظهور حركات استبدادية ( [330] ) .

نموذج لمنهج لويس في دراسة الحركات الإسلامية (الإخوان المسلمون)

يعرّف لويس حركة (الإخوان المسلمون) بأنها"جمعية نصف علنية واسعة الانتشار تقوم على أساس الخلايا السرية والفتوة ذات الطابع العسكري، وشبكات ضخمة واسعة من المؤسسات الثقافية الراديكالية" ( [331] ) . وأنها كانت أقرب ويقول في بحث آخر إن بداياتها كانت غامضة، ولكن يبدو أنها نشأت في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات وأنها كانت مهتمة في البداية بالنشاطات الدينية والاجتماعية حيث بعث مؤسسها الدعاة إلى المساجد والأماكن العامة الأخرى في جميع أنحاء مص، وقد قام الإخوان بنشاط واسع في الميادين التعليمية والاجتماعية والخيرية والدينية في المدن والأرياف ، ومارسوا بعض الأعمال الاقتصادية. أما عن نشاطهم السياسي فيرى لويس أنه بدأ عام 1936م بعد توقيع المعاهدة المصرية وتبني قضية الفلسطينيين العرب ضد الصهاينة، وضد الحكم البريطاني واستطاعوا أن يمدوا نشاطاتهم إلى الدول العربية الأخرى ( [332] ) ، وقال في موضع آخر إنها بدأت نشاطها السياسي بعد عام 1940م.

ويتناول لويس صلة الجماعة بالملك فاروق فيزعم أن الجماعة حظيت بدعم الملك الذي كان لا يحب الوفد ولكن بعد عودة متطوعي الجماعة من فلسطين بعد حرب 1948م وما قيل عن تدبيرهم لخطة للإطاحة بالملك فاروق قام الأخير بتوجيه ضربة إليهم بواسطة رئيس وزرائه النقراشي ( [333] ) ، ويعلق لويس قائلًا يبدو أن الجماعة قد أصبح لديها قوة مسلحة قادرة على القيام بدور ما في الأحداث. ولهذا قام النقراشي بحل الجماعة ومصادرة ممتلكاتها وإلقاء القبض على كثيرين من أعضائها. وقد اغتيل النقراشي عام 1948م، وبعد ذلك بقليل اغتيل المشرف العام في ظروف لم يتم الكشف عنها حتى الآن. ( [334] )

كما تحدث لويس عن علاقة الجماعة بالثورة المصرية مشيرًا إلى أن عددًا من الضباط المشاركين في الثورة كانوا قد انتموا إلى الإخوان ومنهم جمال عبد الناصر. وقد حلّت الثورة الجماعية في يناير 1954م، وجاءت المعاهدة ليعود الإخوان إلى إبداء تذمرهم من المعاهدة. وينسب لويس محاولة اغتيال جمال عبد الناصر إلى أحد الإخوان مما أدى إلى زيادة التوتر بين الإخوان والثورة ومحاكمة أعداد كبيرة منهم وتنفيذ الإعدام في ستة منهم ، وأصبح التنظيم غير شرعي ومع ذلك فقد استمر في نشاطه ( [335] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت