يبدي لويس تردده في نعت الحركات الإسلامية بالأصولية لأن هذا المصطلح نشأ في الغرب لوصف الحركات البروتستانتية، ولكنه يعود ليجد أن معظم المسلمين ينطبق عليهم هذا المصطلح وهذا ما يقوله:"كل المسلمين -مبدئيًا- أصوليون في موقفهم من نص القرآن، ويختلف الأصوليون المسلمون عن غيرهم من المسلمين، وبالطبع من الأصوليين النصارى في التمسك الشديد بالتعاليم والأساليب التقليدية بالإسلام، وتقيدهم الحرفي المفرط بالإسلام، إنهم يعتمدون ليس فقط على القرآن ولكن أيضًا على السنة النبوية. وعلى التراث الإسلامي من الكتابات العقدية والشرعية. إن هدفهم ليس أقل من القضاء التام على كل التشريعات المستوردة المتطورة، والنظام الاجتماعي وإحلال الشريعة كاملة مكانها ذلك. وتتضمن الشريعة بقوانينها وعقوباتها وتشريعاتها وصيغة الحكومة التي تقرها ( [321] ) ."
أما أسباب نجاح أو انتشار الحركات الإسلامية (الأصولية) فيرجع إلى وجود الحكومات الفردية التي تمنع وجود الأحزاب السياسية وبالتالي تستطيع الحركات الإسلامية أن تتجمع في المساجد وفي المناسبات الدينية، وهذا أمر لم تستطع الحكومات عمل شيء لإيقافه ( [322] ) .
ونتوقف عند أخطاء لويس المنهجية هنا فالحركات الإسلامية التي تسعى إلى استعادة مكانة الإسلام في المجتمعات الإسلامية ليست"أصولية"؛ ذلك أن"الأصولية الغربية تسع ىكما يقول جيل كيبل إلى"مكافحة العلمانية وإحداث تغيرات في المجتمعات الغربية التي طغت عليها المادية وانهارت فيها القيم والأخلاق"، أما العالم الإسلامي فلم يصبح فيه علمانيًا إلاّ النخب المتغربة وبصورة جزئية أيضًا، بينما تولدت حركات معاودة التنصير في مجتمعات عاشت في غالبيتها العظمى ومنذ أكثر من قرن علمنة دنيوية عميقة، وقد تجلت هذه العلمية في المجالات القانونية والتنظيمية ( [323] ) .ويذكر كيبل أن الأصولية اليهودية أيضًا قد وصلت إلى قناعة بأن الثقافة الغربية تتصف بخواء وعبثية كاملين، وأن هدفها الوحيد هو إشباع رغبات الفرد داخل سياق من المادية لا حدود لها ( [324] ) ."
ويرى لويس أن الحركات الإسلامية أو"الأصولية"إنما هي حركات ضد الغرب وضد الحضارة الغربية وقد انتقد هذا التفكير الباحث الأمريكي جون اسبوزيتو حيث كتب يصف مثل هذه الكتابات بأنها تقوم على"الطرح الانتقائي والتحليلات المتعلقة بالإسلام وتطورات الأحداث في العالم الإسلامي ..بأنها تفشل في توضيح القصة بكاملها وفي أن تعطي الصورة المتكاملة للتوجهات الإسلامية… ونتيجة لذلك فإن الإسلام وحركة التجديد يتم تبسيطهما بسهولة في تلك القوالب البسيطة والفجة التي تصور الإسلام بأنه ضد الغرب وبأنه صراع الإسلام ضد التقدم أو الغضبة الإسلامية والتطرف والتشدد والإرهاب ( [325] ) ."
موقف الحركات الإسلامية من الغرب والحضارة الغربية
يزعم لويس أن"عداء الأصولية يتركز ضد عدوين هما العلمانية والتحديث، وأن الحرب ضد العلمانية حرب صريحة وواعية، أما الحرب ضد التحديث ففي معظمها ليست واعية ولا صريحة وموجهة ضد عملية التغيير بكاملها التي حدثت في العالم الإسلامي في القرن الأخير، وحولت البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للبلاد الإسلامية"، ويؤكد لويس أن الغرب هو مصدر هذا التغيير ولما كانت أمريكا هي زعيمة الغرب فإن الكراهية والغضب يوجهان إليها. ويرى لويس أن نوبة الغضب والحركة التي يواجهها الغرب تجاوزت بكثير مستوى القضايا والسياسيات والحكومات التي تمارسها ولا بد أن هذا الأمر لا يقل عن صدام حضاري. وينصح لويس الغرب أن يقوم بدراسة الإسلام تاريخًا وتراثًا وحاضرًا وعلى المسلمين أن يفعلوا الشيء نفسه بالنسبة للحضارة الغربية ومن ثم يختارون ( [326] ) .
ويزيد لويس توضيح هذا العداء أو الاستعداء للغرب ضد الحركات الإسلامية حين يقول:"وحدث بعد ذلك تغير كبير عندما بحث قادة الصحوة الإسلامية المتنامية عن عدوهم وحددوه بأنه أعداء الله وحددوا موقعهم واسمهم في العالم الغربي، وفجأة أو هكذا بدا الأمر أن أمريكا هي العدو الأول أو الشيطان، أو تجسيد لإبليس والمعارض الشيطاني لكل ما هو خير وبخاصة للمسلمين" ( [327] ) .
ويعيد لويس الصراع بين الحركات الإسلامية والغرب إلى جذوره التاريخية في الصراع مع الحضارة اليونانية والرومانية ومن وجهة نظره"أن القرون الطويلة التي مر بها الإسلام جعلته يتحول إلى نموذج جامد من السلوك والاعتقاد، ولكن إذا كان المعدن أكثر صلابة، فكذلك المطرقة حيث أن التحدي اليوم أكثر تطرفًا بالمقارنة وأكثر عنفًا ونفاذًا، ولا يأتي ذلك من عالم مغلوب بل من عالم غالب" ( [328] ) .
المناقشة:
لقد وقع لويس في عدة أخطاء منهجية في حديثه عن أصل الصراع بين الإسلام والغرب أولها المغالطات التاريخية، فالمواجهة الأولى بين الإسلام والنصرانية أو الغرب المتمثل في الدولة الرومانية كانت نقطة انطلاقة دعوة الإسلام، وكانت المواجهة قوية في الناحيتين المادية والعسكرية. أما المواجهة على صعيد العقيدة والفكر والحضارة فقد استطاع الإسلام احتواء هذه الحضارات بقوته الذاتية أولًا، وبالنموذج الإنساني الرفيع في التطبيق. أما المواجهة الحالية فتختلف جذريًا ذلك أن الغرب يفرض أو يحاول أن يفرض فكره وثقافته وحضارته وعقيدته ومسلماته بالقوة وبشتى الوسائل التي أتاحتها له التقنية الغربية. وأما زعمه أن استخدام الإسلام لقرون عديدة حوّله إلى نموذج جامد من السلوك والاعتقاد فأمر لم يقدم لويس دليلًا عليه كما لم يوضح معنى الجمود ولا يصف الإسلام بالجمود إلاّ جاهل به أو من يقصد تشويهه.