وَقَدْ أَذْعَنَ لَأَنْ يَأْتِيَ بِضَمِينٍ فَتَكَلَّفَ وَلَمْ يَجِدْهُ ( حُبِسَ ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ لِلْبَيَانِ , ( فَإِنْ بَيَّنَ ) الْمُدَّعِي ( عَلَى نَحْوِ دَعْوَاهُ ) زَادَ لَفْظَ"نَحْوَ"لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَادَتْ بَيِّنَتُهُ عَلَى دَعْوَاهُ أَوْ نَقَصَتْ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الدَّعْوَى ( أُجْبِرَ عَلَى الْأَدَاءِ , وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ) , أَيْ الْبَيَانَ , ( وَطَلَبَ يَمِينًا كُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِحْلَافِهِ ) , أَيْ بَعْدَ طَلَبِ الْمُدَّعِي مِنْهُ الْحَلِفَ , وَالْهَاءُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ , فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ , أَوْ لِلْمُدَّعِي , فَيَكُونُ مِنْ إضَافَتِهِ لِلْفَاعِلِ , وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ , وَيُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: ( وَإِذْعَانُهُ لِلْيَمِينِ ) , فَإِنَّ هَذِهِ"الْوَاوَ"لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( بِإِتْيَانِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِكَلَّفَ ( بِمُصْحَفٍ ) كَامِلٍ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إلَى آخِرِ: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } , وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ لِلْمُدَّعِي وَاجِبٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَهُوَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ , فَهُوَ الَّذِي يُكَلَّفُ بِمُؤْنَتِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ لِيُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ . وَقِيلَ: يُكَلَّفُ الْمُدَّعِي الْإِتْيَانَ بِالْمُصْحَفِ , لِأَنَّ الْيَمِينَ ضَرَرٌ أَرَادَ إيقَاعَهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالِانْتِقَامَ مِنْهُ بِهِ , فَهُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي ذَلِكَ دُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , كَمُرِيدِ الْقِصَاصِ , فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِمَا يُقْتَصُّ بِهِ مِنْ مُوسَى أَوْ عَصَى , وَاقْتَصَرَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ عَلَى هَذَا إذَا قَالَ الْمُدَّعِي: حَلِّفْهُ , قَالَ الْحَاكِمُ: أَنُحَلِّفُهُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ , ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَتَحْلِفُ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ , فَحِينَئِذٍ يُحْضِرُ الْمُصْحَفَ , أَوْ يَقُولُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ لِلْمُدَّعِي: ائْتِ بِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ , وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ أَصْحَابُ الدِّيوَانِ", وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِمْ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ , وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ . وَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُصْحَفٌ يُحَلِّفُ بِهِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ , وَإِنَّمَا يُحَلِّفُ الْحَاكِمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ بِالْمُصْحَفِ إلَّا الْأَمِينَ وَالْحَامِلَ فَبِالْغَامُوسِ , وَلَا يُحَلِّفُ الْحَاكِمُ بِاللَّوْحِ وَلَا بِالدَّفْتَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا الْقُرْآنُ , وَلَا يُحَلِّفُ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ , وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمُوَحِّدُونَ وَالْمُشْرِكُونَ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُحَلِّفُ الْيَهُودَ بِرَبِّ التَّوْرَاةِ , وَيُحَلِّفُ النَّصَارَى بِرَبِّ الْإِنْجِيلِ , وَالْمَجُوسَ بِرَبِّ النَّارِ , قَالَ الْعَاصِمِيُّ ; بَعْدَ أَنَّ قَرَّرَ أَنَّ الْحَلِفَ بِاسْمِ اللَّهِ وَيَنْطِقُ بِالْحَلِفِ الْحَالِفُ مَا نَصُّهُ: وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ لِلْيَهُودِ مَنْزِلَ التَّوْرَاةِ لِلتَّشْدِيدِ كَمَا يَزِيدُ فِيهِ لِلتَّثْقِيلِ عَلَى النَّصَارَى مَنْزِلَ الْإِنْجِيلِ وَالْمَشْهُورُ أَنْ لَا يُزَادَ ذَلِكَ , وَرُوِيَتْ الزِّيَادَةُ عَنْ"مَالِكٍ", قَالَ بَعْضٌ بِمَا مَرَّ عَنْ الدِّيوَانِ"مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى رَبِّ التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ أَوْ النَّارِ لَا يُزِيدُونَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ , لِأَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ الْإِنْسَانَ الْخُرُوجَ مِنْ دِينِهِ , { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } , وَمِنْ الْكُفَّارِ مَنْ لَا يَقْبَلُ هَذَا , وَيَقُولُ: لَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ الدِّينِ الَّذِي أَنَا فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَا يُخْلِصُونَ كَلِمَةَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , بَلْ نَقَضُوهَا بِعُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ وَالنَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ , وَيُبْحَثُ بِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ إكْرَاهًا عَلَى الْإِيمَانِ بَلْ اسْتِخْرَاجٌ لِلْحَقِّ , وَكَانَ بَعْضُ قُضَاةِ الْأَنْدَلُسِ يُحَلِّفُ مَنْ ظَهَرَ لَهُ اللَّدَدُ مِنْهُ مِنْ الْيَهُودِ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْيَهُودُ بِالْجَلْجَلَةِ وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ فَيُذْعِنُونَ لِلْحَقِّ بِذَلِكَ , وَكَانَ بَعْضٌ يُحَلِّفُ الْيَهُودَ بِأَنْ يَقُولَ: أضناي أضناي أصباؤوت أصباؤوت الْ شداء الْ شداء أصلخاء أصلخاء , وَتَمْسَحُ التَّوْرَاةَ بِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَدَمِ الْخِنْزِيرِ , وَعَلَيْكَ مِنْ مَالِكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَبْرَأُ مِنْ دِينِ مُوسَى كَمَا تَبَرَّأَ اللَّيْلُ مِنْ النَّهَارِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُصْحَفُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلِيُكَلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُصْحَفِ وَيُعْطِيَ حَقَّهُ لِلْمُدَّعِي , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّمَا يُكَلِّفُهُ الْمُدَّعِي لِيَأْخُذَ حَقَّهُ , يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الطَّهَارَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُصْحَفَ لِيُحَلِّفَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ .
وفي الموسوعة الفقهية:
أَسْبَابُ الْخِلَافِ الرَّاجِعِ إلَى الدَّلِيلِ:
18 -مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ: