فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 1037

35 -ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى وُجُوبِ رِضَا الْمُحَالِ لِلْمَعْنَى نَفْسِهِ الْآنِفِ فِي رِضَا الْمُحِيلِ , وَلِأَنَّ الدَّيْنَ حَقُّهُ , فَلَا يَنْتَقِلُ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ إلَّا بِرِضَاهُ , إذْ الذِّمَمُ تَتَفَاوَتُ يَسَارًا وَإِعْسَارًا , وَبَذْلًا وَمَطْلًا , وَتَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ قِيمَةُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ , وَلَا سَبِيلَ إلَى إلْزَامِهِ بِتَحَمُّلِ ضَرَرٍ لَمْ يَلْتَزِمْهُ . وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرِّضَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ , حَتَّى إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ بَلَغَهُ خَبَرُ الْحَوَالَةِ فَأَجَازَهَا , لَمْ تَنْفُذْ الْحَوَالَةُ , لِأَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ أَصْلًا إذْ أَنَّ رِضَا الْمُحَالِ عِنْدَهُمَا رُكْنٌ فِي انْعِقَادِهَا . أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الرِّضَا , أَيْنَمَا كَانَ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ , فَيَكُونُ شَرِيطَةَ نَفَاذٍ . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلَا يُوجِبُونَ رِضَا الْمُحَالِ , إلَّا عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ عِنْدَهُمْ . بَلْ يُجْبَرُ الْمُحَالُ عَلَى الْقَبُولِ , إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا غَيْرَ جَاحِدٍ وَلَا مُمَاطِلٍ . وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: يُسْتَغْنَى بَتَاتًا عَنْ قَبُولِ الْمُحَالِ , فَإِنْ قَبِلَ فَذَاكَ , وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَلَا بَأْسَ , وَالْحَوَالَةُ نَافِذَةٌ بِرَغْمِهِ . قَالَ صَاحِبُ الْإِنْصَافِ: فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: لَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ إلَّا بِرِضَا الْمُحَالِ . فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ , لَكِنْ تَنْقَطِعُ الْمُطَالَبَةُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ . وَقِيلَ: يَتَوَجَّهُ أَنَّ لِلْمُحَالِ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ قَبْلَ إجْبَارِ الْحَاكِمِ . وَمَبْنَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ هَلْ هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ أَوْ تَقْبِيضٌ ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ , لَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا قَبُولٌ . وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ تَقْبِيضٌ , فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالْقَوْلِ , وَهُوَ قَبُولُهَا . فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُحَالُ . ا هـ . وَاسْتَدَلَّ الْحَنَابِلَةُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ: قَالَ صلى الله عليه وسلم: { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ , وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } . وَيُفَسِّرُهُ لَفْظُ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: { وَمَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ } . فَقَدْ أَمَرَ صلوات الله عليه الدَّائِنَ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ أَوْ الِالْتِزَامِ بِمُقْتَضَاهَا , وَالْأَمْرُ بِأَصْلِ وَضْعِهِ لِلْوُجُوبِ , وَلَيْسَ هُنَا مَا يَصْرِفُهُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ . كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُولِ: فَإِنَّ الدَّائِنَ الَّذِي يُهَيِّئُ لَهُ مَدِينُهُ مِثْلَ دَيْنِهِ عَدًّا وَنَقْدًا مِنْ يَدٍ أُخْرَى فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ , وَيُصِرُّ عَلَى أَنْ يَنْقُدَهُ إيَّاهُ مَدِينُهُ بِالذَّاتِ , لَا يَكُونُ إلَّا مُتَعَنِّتًا مُعَانِدًا . ثَالِثًا: رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ: 36 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ( الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ ) إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِقَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم { مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } وَلَمْ يَقُلْ عَلَى مَلِيءٍ رَاضٍ". وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيلِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِالِاسْتِيفَاءِ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إلَى اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَدِينًا أَمْ لَا , وَسَوَاءٌ أَتَسَاوَى الدَّيْنَانِ أَمْ لَا , لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي تَقَاضِي دُيُونِهِمْ رِفْقًا وَعُنْفًا , وَيُسْرًا وَعُسْرًا , فَلَا يُلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ . وَقِيَاسًا عَلَى الْمُحَالِ فَإِنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي أَنَّهُ طَرَفٌ فِي الْحَوَالَةِ لَا تَمَامَ لَهَا بِدُونِهِ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ فِي اشْتِرَاطِ رِضَاهُ ."

خَطَأٌ التَّعْرِيفُ :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت