62 -وَلَوْ خَلَّى الْكُفَّارُ الْأَسِيرَ , وَاسْتَحْلَفُوهُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ بِفِدَائِهِ , أَوْ يَعُودَ إلَيْهِمْ , فَإِنْ كَانَ هَذَا نَتِيجَةَ إكْرَاهٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ , وَإِنْ لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ وَقَدَرَ عَلَى الْفِدَاءِ لَزِمَهُ , وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ , لِوُجُوبِ الْوَفَاءِ , وَلِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةَ الْأُسَارَى , وَفِي الْغَدْرِ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ , لِأَنَّهُ حُرٌّ لَا يَسْتَحِقُّونَ بَدَلَهُ . وَأَمَّا إنْ عَجَزَ عَنْ الْفِدَاءِ , فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهَا الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ , لقوله تعالى { فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ } , وَلِأَنَّ فِي رُجُوعِهَا تَسْلِيطًا لَهُمْ عَلَى وَطْئِهَا حَرَامًا . وَإِنْ كَانَ رَجُلًا , فَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَا يَرْجِعُ , وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ . وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَهُمْ يَلْزَمُهُ , وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ , لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ صَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا أَمْضَى اللَّهُ ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ , وَنَسَخَهُ فِي النِّسَاءِ .
77 -ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ الْأَسِيرَ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ مَا دَامَ أَسِيرًا , وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ , وَكَرِهَ الْحَسَنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ , لِأَنَّ الْأَسِيرَ إذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ رَقِيقًا لَهُمْ , وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ , وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ أَسِيرٍ اُشْتُرِيَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَيَطَؤُهَا ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَطَؤُهَا ؟ فَلَعَلَّ غَيْرَهُ مِنْهُمْ يَطَؤُهَا , قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لَهُ: وَلَعَلَّهَا تَعْلَقُ بِوَلَدٍ فَيَكُونُ مَعَهُمْ , قَالَ: وَهَذَا أَيْضًا . وَيَقُولُ الْمَوَّاقُ: الْأَسِيرُ يُعْلَمُ تَنَصُّرُهُ فَلَا يَدْرِي أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا فَلْتَعْتَدَّ زَوْجَتُهُ , وَيُوقَفُ مَالُهُ , وَيَحْكُمُ فِيهِ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ , وَإِنْ ثَبَتَ إكْرَاهُهُ بِبَيِّنَةٍ كَانَ بِحَالِ الْمُسْلِمِ فِي نِسَائِهِ وَمَالِهِ . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ ( إكْرَاهٌ ) ( وَرِدَّةٌ ) .
إكْرَاهُ الْأَسِيرِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ:
78 -الْأَسِيرُ إنْ أَكْرَهَهُ الْكُفَّارُ عَلَى الْكُفْرِ , وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ , لَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ , وَلَا يَحْرُمُ مِيرَاثُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا يُحْرَمُونَ مِيرَاثَهُمْ مِنْهُ , وَإِذَا مَا أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ فَفَعَلَ وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الضَّرُورَاتِ . وَلَوْ أَكْرَهُوهُ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ , كَمَا لَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَنْ يَدُلَّ عَلَى ثُغْرَةٍ يَنْفُذُ مِنْهَا الْعَدُوُّ إلَى مُقَاتَلَتِنَا , وَلَا الِاشْتِرَاكِ مَعَ الْعَدُوِّ فِي الْقِتَالِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ , وَأَجَازَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ , وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ ( إكْرَاهٌ ) .
مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْقِطِ: