أ - أَنْ تَكُونَ الضَّرُورَةُ قَائِمَةً لَا مُنْتَظَرَةً , وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الرُّخَصِ مِنْهَا: يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِتَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ خَوْفَ الْمُكْرِهِ إيقَاعَ مَا هُدِّدَ بِهِ فِي الْحَالِ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ , وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَقَوْلُ الْمُكْرَهِ"لَأَقْتُلَنك غَدًا"لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ . قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: لَوْ كَانَتْ الْحَاجَةُ غَيْرَ نَاجِزَةٍ فَهَلْ يَجُوزُ الْأَخْذُ لِمَا عَسَاهُ يَطْرَأُ ؟ الظَّاهِرُ لَا , كَاقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِمَا عَسَاهُ يَكُونُ مِنْ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ . يَقُولُ الشَّاطِبِيُّ: الصَّوَابُ الْوُقُوفُ مَعَ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ , إلَّا فِي الْمَشَقَّةِ الْمُخِلَّةِ الْفَادِحَةِ فَإِنَّ الصَّبْرَ أَوْلَى , مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى دَخْلٍ فِي عَقْلِ الْإِنْسَانِ أَوْ دِينِهِ , وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الصَّبْرِ , لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ إلَّا مَنْ يُطِيقُهُ , فَأَنْتَ تَرَى بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ الْفَادِحَةَ لَا يَلْحَقُ بِهَا تَوَهُّمُهَا , بَلْ حُكْمُهَا أَخَفُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوَهُّمَ غَيْرُ صَادِقٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ فَإِذًا: لَيْسَتْ الْمَشَقَّةُ بِحَقِيقِيَّةٍ , وَالْمَشَقَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الْعِلَّةُ الْمَوْضُوعَةُ لِلرُّخْصَةِ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ كَانَ الْحُكْمُ غَيْرَ لَازِمٍ . ب - أَلَّا يَكُونَ لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ وَسِيلَةٌ أُخْرَى إلَّا مُخَالَفَةُ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ } . مَعْنَى الضَّرُورَةِ - هُنَا -: هُوَ خَوْفُ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ بِتَرْكِهِ الْأَكْلَ وَقَدْ انْطَوَى تَحْتَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْصُلَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَجِدُ غَيْرَ الْمَيْتَةِ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا مَوْجُودًا , وَلَكِنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهَا بِوَعِيدٍ يَخَافُ مِنْهُ تَلَفَ نَفْسِهِ أَوْ تَلَفَ بَعْضِ أَعْضَائِهِ , وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مُرَادٌ بِالْآيَةِ عِنْدَنَا . ج - يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ مُرَاعَاةُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ , لِأَنَّ مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا , وَتَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَرَّرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ إلَّا قَدْرُ سَدِّ الرَّمَقِ . د - يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يُرَاعِيَ عِنْدَ دَفْعِ الضَّرُورَةِ مَبْدَأَ دَرْءِ الْأَفْسَدِ فَالْأَفْسَدِ , وَالْأَرْذَلِ فَالْأَرْذَلِ , فَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِحَيْثُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ قُتِلَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْرَأَ مَفْسَدَةَ الْقَتْلِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ , لِأَنَّ صَبْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ أَقَلُّ مَفْسَدَةً مِنْ إقْدَامِهِ عَلَيْهِ , وَإِنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ لَزِمَهُ ذَلِكَ , لِقُدْرَتِهِ عَلَى دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ , وَإِنَّمَا قُدِّمَ دَرْءُ الْقَتْلِ بِالصَّبْرِ , لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ , وَاخْتِلَافِهِمْ فِي الِاسْتِسْلَامِ لِلْقَتْلِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ الْمُجْمَعِ عَلَى وُجُوبِ دَرْئِهَا عَلَى دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُوبِ دَرْئِهَا . هـ - أَلَّا يَقْدَمَ الْمُضْطَرُّ عَلَى فِعْلٍ لَا يَحْتَمِلُ الرُّخْصَةَ بِحَالٍ . قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْمَعَاصِي أَنْوَاعٌ: نَوْعٌ يُرَخَّصُ لَهُ فِعْلُهُ وَيُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ , كَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ , وَشَتْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَرْكِ الصَّلَاةِ , وَكُلُّ مَا يَثْبُتُ بِالْكِتَابِ . وَنَوْعٌ يَحْرُمُ فِعْلُهُ وَيَأْثَمُ بِإِتْيَانِهِ كَالزِّنَى وَقَتْلِ مُسْلِمٍ , أَوْ قَطْعِ عُضْوِهِ , أَوْ ضَرْبِهِ ضَرْبًا مُتْلِفًا , أَوْ شَتْمِهِ أَوْ أَذِيَّتِهِ . وَلِلتَّفْصِيلِ فِي أَقْسَامِ الرُّخْصَةِ وَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا ( ر: مُصْطَلَحَ: رُخْصَةٌ ) .