بِتَتَبُّعِ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَهَمَّ حَالَاتِ الضَّرُورَةِ عِبَارَةٌ عَنْ: - 1 - الِاضْطِرَارِ إلَى تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ . 2 - الِاضْطِرَارِ إلَى النَّظَرِ وَاللَّمْسِ لِلتَّدَاوِي . 3 - الِاضْطِرَارِ إلَى إتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ فِعْلِ فَاحِشَةٍ . 4 - الِاضْطِرَارِ إلَى أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ وَإِتْلَافِهِ . 5 - الِاضْطِرَارِ إلَى قَوْلِ الْبَاطِلِ . 10 - الْحَالَةُ الْأُولَى: الِاضْطِرَارُ إلَى تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي إبَاحَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ . لِلْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ . إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَقْصُودِ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ , وَمِقْدَارُ مَا يَأْكُلُهُ الْمُضْطَرُّ مِنْ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا , وَتَفْصِيلُ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي تُبِيحُهَا الضَّرُورَةُ وَتَرْتِيبُهَا عِنْدَ التَّعَدُّدِ , وَأَثَرُ الضَّرُورَةِ فِي رَفْعِ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا , وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ: أ - ( الْمَيْتَةُ ) : إذَا كَانَ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ , سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الِاضْطِرَارُ بِجُوعٍ أَوْ عَطَشٍ فِي مَخْمَصَةٍ , أَوْ بِإِكْرَاهٍ مِنْ ظَالِمٍ , فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهَا أَمْ يَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَكْلِ حَتَّى يَمُوتَ ؟ . ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ - وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - وَالْحَنَابِلَةُ - عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ - إلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ . وَقَالُوا: إنَّ الَّذِي يَخَافُ الْهَلَاكَ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ إذَا وَجَدَ مَيْتَةً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ دَمًا فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ يَسَعُهُ كَانَ آثِمًا , قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } , وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي يَتْرُكُ تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَمُوتَ يُعْتَبَرُ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ مُلْقِيًا بِهَا إلَى التَّهْلُكَةِ , لِأَنَّ الْكَفَّ عَنْ التَّنَاوُلِ فِعْلٌ مَنْسُوبٌ إلَى الْإِنْسَانِ , وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ بِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ , فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ حَلَالٌ . وَقَالَ كُلٌّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - فِي وَجْهٍ - وَأَبُو يُوسُفَ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - إنَّ الْمُضْطَرَّ يُبَاحُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ , وَلَا يَلْزَمُهُ , فَلَوْ امْتَنَعَ عَنْ التَّنَاوُلِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَمَاتَ ."فَلَا إثْمَ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ , لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"أَنَّ طَاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَهُ فِي بِيَعٍ , وَجَعَلَ مَعَهُ خَمْرًا مَمْزُوجًا بِمَاءٍ وَلَحْمَ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٍّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ , فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ , حَتَّى مَالَ رَأْسُهُ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَخَشُوا مَوْتَهُ , فَأَخْرَجُوهُ فَقَالَ: قَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي لِأَنِّي مُضْطَرٌّ وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَك بِدِينِ الْإِسْلَامِ . وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ رُخْصَةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ , كَسَائِرِ الرُّخَصِ , وَلِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَالْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ وَرُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَفَارَقَ الْحَلَالَ فِي الْأَصْلِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ . مِقْدَارُ مَا يَأْكُلُهُ الْمُضْطَرُّ مِنْ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ يُبَاحُ لَهُ أَكْلُ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ , كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الشِّبَعِ . فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الْأَظْهَرِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ - وَابْنُ الْمَاجِشُونِ , وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: إلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ إلَّا قَدْرُ سَدِّ الرَّمَقِ , وَلَا يُبَاحُ لَهُ الشِّبَعُ , لِأَنَّ آيَةَ: { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ , وَاسْتَثْنَتْ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ , فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ لِلْآيَةِ , يُحَقِّقُهُ أَنَّ بَعْدَ سَدِّ رَمَقِهِ كَحَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُضْطَرَّ , وَثَمَّ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْأَكْلُ كَذَا هَاهُنَا . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ , وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ , وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إنَّ الْمُضْطَرَّ يُبَاحُ لَهُ الشِّبَعُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ , وَلِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ الْحَرَّةَ فَنَفَقَتْ عِنْدَهُ نَاقَةٌ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اُسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا وَنَأْكُلَهُ , فَقَالَ: