حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَك غِنًى يُغْنِيَك ؟ قَالَ: لَا , قَالَ: فَكُلُوهَا وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلِأَنَّ مَا جَازَ سَدُّ الرَّمَقِ مِنْهُ جَازَ الشِّبَعُ مِنْهُ كَالْمُبَاحِ , وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَرْفَعُ التَّحْرِيمَ فَيَعُودُ مُبَاحًا , وَمِقْدَارُ الضَّرُورَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَالَةِ عَدَمِ الْقُوتِ إلَى حَالَةِ وُجُودِهِ حَتَّى يَجِدَ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الزَّوَالِ , فَمَا كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً كَحَالَةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَازَ الشِّبَعُ , لِأَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ عَادَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ , وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْبُعْدِ مَخَافَةَ الضَّرُورَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَيُفْضِي إلَى ضَعْفِ بَدَنِهِ , وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَلَفِهِ , بِخِلَافِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَمِرَّةً فَإِنَّهُ يَرْجُو الْغِنَى عَنْهَا بِمَا يَحِلُّ .
12 -أَثَرُ الضَّرُورَةِ فِي رَفْعِ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا: قَالَ شَارِحُ أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ , فَهَلْ تَصِيرُ مُبَاحَةً , أَوْ تَبْقَى عَلَى الْحُرْمَةِ وَيَرْتَفِعُ الْإِثْمُ ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إلَى أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكِنْ يُرَخَّصُ فِي الْفِعْلِ إبْقَاءً لِلْمُهْجَةِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ . وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا ( الْحَنَفِيَّةُ ) إلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ تَرْتَفِعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ . ثُمَّ ذَكَرَ لِلْخِلَافِ فَائِدَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إذَا صَبَرَ حَتَّى مَاتَ لَا يَكُونُ آثِمًا عَلَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْآخَرِ . الثَّانِيَةَ: إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَرَامًا فَتَنَاوَلَهَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ يَحْنَثُ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَا يَحْنَثُ عَلَى الثَّانِي . وَلِلتَّفْصِيلِ: ( ر: رُخْصَةٌ , وَالْمُلْحَقُ الْأُصُولِيُّ ) .
16 -الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ:
الِاضْطِرَارُ إلَى إتْلَافِ النَّفْسِ أَوْ ارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ: الْقَتْلُ تَحْتَ تَأْثِيرِ الْإِكْرَاهِ: وَتَحْتَهُ صُورَتَانِ: الْأُولَى: الِاضْطِرَارُ إلَى قَتْلِ نَفْسِهِ , كَمَا تَقَدَّمَ , وَيَأْتِي فِي الدِّفَاعِ عَنْ النَّفْسِ , وَالْأُخْرَى: الِاضْطِرَارُ إلَى قَتْلِ غَيْرِهِ وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى قَتْلِهِ , وَلَا انْتِهَاكُ حُرْمَتِهِ بِجَلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ , وَيَصْبِرُ عَلَى الْبَلَاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ , وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ , وَيَسْأَلَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . قَالَ الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: لَوْ قَالَ لَك ظَالِمٌ: إنْ لَمْ تَقْتُلْ فُلَانًا أَوْ تَقْطَعْهُ قَتَلْتُك , فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَرْضَى بِقَتْلِ نَفْسِهِ وَيَصْبِرَ . وَلِلْفُقَهَاءِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَ وُقُوعِ الْقَتْلِ , أَوْ قَطْعِ الْعُضْوِ تَحْتَ تَأْثِيرِ الْإِكْرَاهِ يُنْظَرُ فِي: ( إكْرَاهٌ , وَقِصَاصٌ ) . الْقَتْلُ لِضَرُورَةِ الدِّفَاعِ: إذَا صَالَ صَائِلٌ عَلَى إنْسَانٍ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ , وَهَذَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ عَنْ النَّفْسِ عَلَى الْمَصُولِ عَلَيْهِ . فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ - وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - إلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَصُولِ عَلَيْهِ أَنْ يُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهِ , إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا وُجُوبَ دَفْعِ الصَّائِلِ بِمَا إذَا كَانَ الصَّائِلُ كَافِرًا أَوْ بَهِيمَةً . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ - فِي قَوْلٍ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ - أَنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الصَّائِلِ . وَلِلتَّفْصِيلِ: ( ر: صِيَالٌ ) .
الزِّنَى تَحْتَ تَأْثِيرِ الْإِكْرَاهِ:
يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الزِّنَى لَا يُبَاحُ وَلَا يُرَخَّصُ لِلرَّجُلِ بِالْإِكْرَاهِ وَإِنْ كَانَ تَامًّا , وَلَوْ فَعَلَ يَأْثَمُ . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: ( إكْرَاهٌ وَزِنًى ) .
إتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ تَحْتَ تَأْثِيرِ الْإِكْرَاهِ:
مَنْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ بِأَمْرٍ يُخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ . وَلِلْفُقَهَاءِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُنْظَرُ فِي: ( إكْرَاهٌ , وَضَمَانٌ ) .
18 -الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ: