الثاني: من لا هجرة عليه . وهو من يعجز عنها , إما لمرض , أو إكراه على الإقامة , أو ضعف ; من النساء والولدان وشبههم , فهذا لا هجرة عليه ; لقول الله تعالى: ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ) . ولا توصف باستحباب ; لأنها غير مقدور عليها .
والثالث: من تستحب له , ولا تجب عليه . وهو من يقدر عليها , لكنه يتمكن من إظهار دينه , وإقامته في دار الكفر , فتستحب له , ليتمكن من جهادهم , وتكثير المسلمين , ومعونتهم , ويتخلص من تكثير الكفار , ومخالطتهم , ورؤية المنكر بينهم . ولا تجب عليه ; لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة . وقد كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم مقيما بمكة مع إسلامه". انتهى من"المغني" (9/236) ."
ثانيا:
علم مما تقدم أنه إذا لم يستطع المسلم إظهار دينه ، فإنه تجب عليه الهجرة عند القدرة ، فإن لم يستطع لعجزه أو مرضه أو عدم وجود جهة تسمح بانتقاله إليها ، فهو معذور ، وفرضه أن يتقي الله ما استطاع ، ويجتهد في أداء ما يستطيعه من أمور دينه ؛ قال الله تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة/286، وقال: ( لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) الأنعام/152.
وإذا لم توجد بلد يمكن فيها إظهار الدين كاملا - ممن تسمح بالهجرة إليها - ، فإنه يُبحث عن الأمثل فالأمثل ، وهذا من تقوى الله تعالى ، وامتثالِ أوامره ، وفعلِ الممكن المستطاع .
ثالثا:
إذا لم توجد دولة إسلامية يمكن الانتقال إليها ، وكان العيش في أوروبا أو أمريكا ، مما يمكّن المسلم من إظهار دينه ، أو ينجو فيه من الأذى المتوقع على بدنه أو أهله أو ماله ، بحيث يكون العيش فيها آمن من العيش في بلده الأصلي ، فلا حرج في ذلك ، على أن يقتصر على الإقامة دون أخذ الجنسية ، لما يترتب على أخذها من محظورات كبار ، وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء سؤالا نصه:
كثير من المسلمين الذين يقدمون إلى هذه الديار ينوون الإقامة وكذلك يحصلون على الجنسية الأمريكية فهل يجوز لهم ذلك علما بأنها ديار كفر وشرك وانحلال فكيف يعطون ولاءهم لحكومتها بالتنازل عن جنسية بلادهم الإسلامية وقبول جنسية هذه البلاد فما حكم الإسلام في ذلك علما بأنهم يبررون ذلك بنشر الإسلام؟
فأجابت:"لا يجوز لمسلم أن يتجنس بجنسية بلاد حكومتها كافرة ، لأن ذلك وسيلة إلى موالاتهم والموافقة على ما هم عليه من الباطل."
أما الإقامة بدون أخذ الجنسية فالأصل فيها المنع لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا. إلا المستضعفين...) النساء/97، 98.
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين ) ولأحاديث أخرى في ذلك، ولإجماع المسلمين على وجوب الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام مع الاستطاعة. لكن من أقام من أهل العلم والبصيرة في الدين بين المشركين لإبلاغهم دين الإسلام ودعوتهم إليه، فلا حرج عليه إذا لم يخش الفتنة في دينه، وكان يرجو التأثير فيهم وهدايتهم"انتهى".
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي عبد الله بن قعود
"فتاوى اللجنة الدائمة" (2/69) .
وجوَّزَ بعض أهل العلم أخذ الجنسية في حالة الاضطرار ، كالمطارد الذي لا يجد مأوى إلا في هذه البلاد ، قال الشيخ ابن جبرين حفظه الله:"من اضطر إلى طلب جنسية دولة كافرة كمطارد من بلده ولم يجد مأوى فيجوز له ذلك بشرط أن يظهر دينه ويكون متمكنا من أداء الشعائر الدينية ، وأما الحصول على الجنسية من أجل مصلحة دنيوية محضة فلا أرى جوازه."
والله أعلم"وللأهمية يراجع جواب السؤال رقم ( 13363) "
نسأل الله تعالى أن يظهر دينه ، ويعلي كلمته ، ويحفظنا وإياكم والمسلمين بحفظه .
والله أعلم .
الإسلام سؤال وجواب
لماذا فتح المسلمون الأندلس ؟
سؤال:
فهم شخص يهودي من آية في القرآن الكريم أن الإسلام ينهى عن اعتراض الناس في ديارهم ، فلماذا في السابق كانت هناك فتوحات إسلامية ؟ خاصة عندما ذهب الفارس الإسلامي طارقُ بن زياد لفتح الأندلس ، مع أن سكانها كانوا في ديارهم ، وقال طارق بن زياد لجنوده: البحر من خلفكم ، والعدو أمامكم . أرجو من فضيلتكم توضيح ذلك ؟
الجواب:
الحمد لله
الأندلس حلقة من حلقات التاريخ الإسلامي العظيم ، بل هي منارة في تاريخ البشرية كلها ، حيث كانت مصدر العلم والمعرفة في الأرض لقرون متطاولة ، تعلمت منها أوروبا كلها دروس الحضارة والمدنية ، وكان فتحها - بلا شك - من أعظم أحداث القرن الهجري الأولى (92هـ الموافق 711م) ، وكان ذلك العهد أزهى وأرقى عهود بلاد الأندلس منذ بدء التاريخ ولعله إلى آخر الزمان .
ولأهمية هذا الموضوع ، كان لا بد من بيان بعض الأمور المهمة المتعلقة بهذا الحدث العظيم:
أولا:
إن أهم مقاصد الجهاد التي شرع من أجلها تبليغ رسالة التوحيد ، بكسر جميع الطواغيت التي تحول بينها وبين الناس ، ودعوة الناس إلى الإسلام من غير إكراه ولا إجبار ، بل عن طواعية واختيار .
يقول الله تعالى: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ) البقرة/193