إذا أردنا أن نبلغ دين الله . الإسلام . فلنبلغه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وكما كان يبلغه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأبرار .
حين نستعير مصطلحات من الشرق والغرب ، ثم نلصقها بدين الله ، وبأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، نكون قد ارتكبنا خطأ جسيمًا ، فالإسلام حين قال: (( لا إكراه في الدين ) )، لم يتركها عائمة وإنما قال معها: ! (( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم * الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ) [ البقرة: 256-257 ]
وقبلها جاءت آية الكرسي: (( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه لا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض و يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) ) [ البقرة: 255 ]
دعوة إلى التوحيد:
دعوة إلى الإسلام والتوحيد صريحة جلية حاسمة ، قبل (( لا إكراه في الدين ) )، ودعوة كذلك صريحة جلية حاسمة ، مع إنذار شديد للكافرين وبشرى للمؤمنين بعدها .!
(( لا إكراه في الدين ) )تعبير يختلف عن تعبير"حرية العقيدة"يختلف معنى وصياغة وشروطًا (( لا إكراه في الدين ) )تعني أن الله لا يقبل من عبد ادعاء الإيمان تحت ضغط الخوف أو المصلحة الدنيوية وهو يبطن خلاف ذلك . إن الله يقبل من عبده إيمانه وإسلامه حين يصدر عن قناعة ويقين وهذا يعني أن الله يريد من المؤمنين أن ينهضوا ليبلغوا رسالة الله وحقيقة الإيمان والتوحيد ودين الإسلام بلاغًا صادقًا واضحًا دقيقًا ، لا أن يبلغ كل إنسان هداه وتصوراته الخاصة ويطوي نصوص الكتب والسنة ، أو يبلغها محرفة أو ناقصة أو غير واضحة ولا يرى الإسلام على أساس ما عرضناه أن للكافر أن يدعو إلى كفره في ظل دولة الإسلام التي يحكمها منهاج الله ، ولا أن لأهل الكتاب أن يدعوا إلى دينهم في قلب دولة الإسلام التي يحكمها منهاج الله .
يعطي أهل الكتب حرية الإقامة في أرض الإسلام على ألا يسعوا إلى أن يسود معتقدهم ، وألا يحملوا السلاح على المسلمين ، وألا يناصروا عدوًا للإسلام ، والمسلمين سرًا ولا جهرًا ، وأن يرضوا بحكم الإسلام ولا يتآمروا عليه .
وعلى المسلمين أو يكونوا يقظين ، فإن وجدوا منهم خيانة يؤخذ الخائن أو الخائنون بذنبهم ويعاقبون ، ويخرجون من أرض الإسلام إذا خُشي استمرار خيانتهم وتأمرهم .
هذا الذي تبينه لنا الآيات والأحاديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار رضي الله عنهم ، فإن ابتلي المسلمون بالوهن والذل وغلب عليهم أعداؤهم ، فلا يحملون الإسلام وشرعه وفقهه نتائج تهاونهم وعجزهم ، ولا يلوون الآيات والأحاديث ليسوغوا المذلة والهوان . فأعداء الله يعرفون الإسلام وحكمه فيهم ، فإن كتمنا حقائق الإسلام نخسر رضاء الله أولًا ونصرته ، ونخسر ما كان يمكن أن نناله من هيبة في أعين الكافرين وأهل الكتاب ، حين يرون أننا غيرنا وبدلنا . وأننا بدأنا نتبع ما تشابه من الأمور شأن من في قلوبهم زيغ .
إن أساس الدعوة الإسلامية هو البلاغ المبين البلاغ الذي يبلغ رسالة الله ليعذر الناس أنفسهم بين يدي الله يوم القيامة . فلا يتغير الدين مع تغير الواقع ، فالدين حق لكل زمان ومكان . ونجد فيه الحلول لكل واقع كما وجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . دون الخروج عن الحق المطلق في الكتاب ولا سنة ودون تحريف النصوص ودون اتباع ما تشابه منه .
لقد أخذ ضغط الواقع المنحرف اليوم يشتد على بعض المسلمين حتى أصبح منهم من يسهل عليه إعطاء رأي ليؤمن مصلحة دنيوية ثم يلصق دعواه بالإسلام .
إن التقوى أهم أسباب النصر وإن خشية الله أهم عنصر في التقوى ، وإن العلم وحده إذا ضعفت فيه التقوى ، فقد قوته الإيمانية في الميدان .
ومصطلح أخر كثر ترداده بين المسلمين اليوم ، ينادي به المنتسبون إلى الإسلام ، فالإسلام أعظم رسالة في الأرض تحض على التفكير وتدعو له ، وأعظم رسالة تحرر عقل الإنسان من أغلال الهوى والشهوات ومصالح الدنيا الآثمة ، إن مصطلح"حرية الرأي"مصطلح عائم متفلت أعطى الفرصة لأعداء الله ليطعنوا الإسلام والمسلمين أكثر مما أعطى المسلمين الفرصة لبيان حقائق دينهم ، إن الإسلام الذي يحض على التفكير ويدعو إليه ليحترم الرأي الذي يصدر عن إيمان ووعي مع الحجة والدليل ، مع صدق النية وإخلاصها لله مبرأ من الهوى ، نابعًا من العلم الحق لا من الظن والتخمين ، فالإسلام لا يستخدم مثل هذا التعبير"حرية الرأي"ولكن يدعو المسلم ليقول رأيه جليًا واضحًا ، ملتزمًا بالشروط الإيمانية التي فصلها منهاج الله ، دون أن يعتبر أن رأيه وحده هو الحق إلا إذا كان الرأي نصًا من الكتاب والسنة ، وجاء عرضه مطابقًا لحاجة القضية والواقع ، جامعًا لكل الأدلة التي تنفي الشبهة وتشرق بالصدق والحق ، لا يماري فيه بعد ذلك إلا ممار أو مجادل أو منافق ، إن الحق يحمل معه دائمًا إشراقته ، والباطل يحمل عتمته وظلامه والقلب المؤمن يهتدي إلى الحق ويميزه من الباطل .
ــــــ
نشرت في مجلة المجتمع ـ العدد (1387) ـ 4 ذو القعده 1420هـ ـ 8/2/2000م .
د- عبد الله قادري الأهدل
تمهيد
إذا ثبتت الردة على الشخص ترتب عليها أحكام دنيوية وأحكام أخروية.