1 -الِاخْتِيَارُ لُغَةً: تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ . وَاصْطِلَاحًا: الْقَصْدُ إلَى أَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ دَاخِلٍ فِي قُدْرَةِ الْفَاعِلِ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ . الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْخِيَارُ: 2 - الْخِيَارُ حَقٌّ يَنْشَأُ بِتَخْوِيلٍ مِنْ الشَّارِعِ , كَخِيَارِ الْبُلُوغِ , أَوْ مِنْ الْعَاقِدِ , كَخِيَارِ الشَّرْطِ . فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاخْتِيَارِ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا , فَكُلُّ خِيَارٍ يَعْقُبُهُ اخْتِيَارٌ , وَلَيْسَ كُلُّ اخْتِيَارٍ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى خِيَارٍ . ب - الْإِرَادَةُ: 3 - الْإِرَادَةُ لُغَةً: الْمَشِيئَةُ , وَفِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ هِيَ"الْقَصْدُ", أَيْ اعْتِزَامُ الْفِعْلِ وَالِاتِّجَاهُ إلَيْهِ , فَيَقُولُونَ فِي طَلَاقِ الْكِنَايَةِ مَثَلًا: إنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ طَلَاقًا , وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ طَلَاقًا لَمْ يَقَعْ طَلَاقًا . وَيَقُولُونَ فِي الْعُقُودِ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا تَلَاقِي الْإِرَادَتَيْنِ . وَيَقُولُونَ فِي الْأَيْمَانِ: يُسْأَلُ الْحَالِفُ عَنْ مُرَادِهِ . . . وَهَكَذَا . وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ كُلَّ اخْتِيَارٍ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى إرَادَةٍ , وَلَيْسَ مِنْ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ إرَادَةٍ اخْتِيَارٌ . ج - الرِّضَا: 4 - يُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ دُونَ غَيْرِهِمْ بَيْنَ الِاخْتِيَارِ وَالرِّضَا . وَإِذَا كَانَ الِاخْتِيَارُ كَمَا تَقَدَّمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ , فَإِنَّ الرِّضَا . هُوَ الِانْشِرَاحُ النَّفْسِيُّ , وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ عَامٍّ , فَقَدْ يَخْتَارُ الْمَرْءُ أَمْرًا لَا يَرْضَاهُ . وَيَظْهَرُ هَذَا التَّفْرِيقُ عِنْدَهُمْ - أَيْ الْحَنَفِيَّةِ - فِي مَسَائِلِ الْإِكْرَاهِ , فَالْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ - كَالضَّرْبِ الْمُحْتَمَلِ , وَالْقَيْدِ , وَنَحْوِهِمَا - يُفْسِدُ الرِّضَا وَلَكِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ , أَمَّا الْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ فَإِنَّهُ يُعْدِمُ الرِّضَا وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ .
شُرُوطُ الِاخْتِيَارِ:
5 -لِكَيْ يَكُونَ الِاخْتِيَارُ صَحِيحًا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ مُكَلَّفًا , وَأَنْ يَكُونَ فِي قَصْدِهِ مُسْتَبِدًّا , أَيْ: لَا سُلْطَانَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ . وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ يَكُونُ فَاسِدًا إذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ , بِأَنْ كَانَ مَنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ مَجْنُونًا , أَوْ صَغِيرًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ , أَوْ كَانَ اخْتِيَارُهُ مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِيَارِ غَيْرِهِ , فَإِذَا اُضْطُرَّ إلَى مُبَاشَرَةِ أَمْرٍ بِالْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ , كَانَ قَصْدُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ دَفْعَ الْإِكْرَاهِ حَقِيقَةً , فَيَصِيرُ الِاخْتِيَارُ فَاسِدًا ; لِابْتِنَائِهِ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُكْرِهِ - بِالْكَسْرِ - وَإِنْ لَمْ يَنْعَدِمْ أَصْلًا .
6 -إذَا تَعَارَضَ الِاخْتِيَارُ الْفَاسِدُ وَالِاخْتِيَارُ الصَّحِيحُ , وَجَبَ تَرْجِيحُ الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ عَلَى الِاخْتِيَارِ الْفَاسِدِ إنْ أَمْكَنَ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إلَى الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ . وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ نِسْبَتُهُ إلَى الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ بَقِيَ مَنْسُوبًا إلَى الِاخْتِيَارِ الْفَاسِدِ , كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْأَقْوَالِ وَعَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْإِنْسَانُ آلَةً لِغَيْرِهِ , كَالْأَكْلِ وَالْوَطْءِ وَنَحْوِهِمَا . وَمَحَلُّ تَفْصِيلِ ذَلِكَ بَحْثُ ( إكْرَاهٌ ) . الْمُخَيَّرُ: 7 - التَّخْيِيرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ الشَّارِعِ , كَتَخْيِيرِ الْمُسْتَنْجِي بَيْنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ الْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا لِلِاسْتِنْجَاءِ , وَتَخْيِيرِ الْحَانِثِ فِي التَّكْفِيرِ عَنْ يَمِينِهِ بَيْنَ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِنْ خِصَالٍ . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ غَيْرِهِ كَتَخْيِيرِ الشَّرِيكِ شَرِيكَهُ بَيْنَ شِرَاءِ حِصَّتِهِ مِنْ الدُّكَّانِ أَوْ بَيْعِ حِصَّتِهِ لَهُ , أَوْ بَيْعِ الدُّكَّانِ كَامِلًا لِشَخْصٍ ثَالِثٍ . وَلَا يَمْلِكُ التَّخْيِيرَ إلَّا صَاحِبُ الْحَقِّ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ شَرْعًا . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مُصْطَلَحِ ( تَخْيِيرٌ ) إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
اشْتِرَاطُ الِاخْتِيَارِ لِتَرْتِيبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ:
9 -الِاخْتِيَارُ شَرْطٌ لِتَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ , وَهُوَ شَرْطٌ لِتَرَتُّبِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْفِعْلِ فِي الدُّنْيَا , وَمَحَلُّ بَحْثِ ذَلِكَ كُلِّهِ مُصْطَلَحُ ( إكْرَاهٌ ) .
أَثَرُ الْإِذْنِ فِي الْجِنَايَاتِ: