8 -يَتَبَيَّنُ فَضْلُ الْقِيَامِ بِالدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ وُجُوهٍ: 9 - ( الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ) : أَنَّ الدَّعْوَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَوَلَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى , فَأَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمْ الْكُتُبَ وَأَيَّدَهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ , وَأَمَرَ بِالتَّقْوَى , وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , كَمَا أَنَّهُ فِي مَخْلُوقَاتِهِ نَصَبَ الْأَدِلَّةَ عَلَى كَوْنِهِ الرَّبَّ الْخَالِقَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ , وَفِي كُتُبِهِ ذَكَرَ الْبَرَاهِينَ الَّتِي تُثْبِتُ ذَلِكَ , ثُمَّ بَشَّرَ وَحَذَّرَ وَأَنْذَرَ , وَقَالَ: { وَاَللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } . وَتَوَلَّى الدَّعْوَةَ أَيْضًا رُسُلُهُ عليهم الصلاة والسلام بِتَكْلِيفٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى , فَإِنَّ مَضْمُونَ الرِّسَالَةِ الدَّعْوَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى , كَمَا قَالَ: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وَقَالَ: { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } . وَآخِرُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَدَّدَ لَهُ مَهَامَّ الرِّسَالَةِ وَمِنْهَا الدَّعْوَةُ إلَيْهِ تَعَالَى , فَقَالَ: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا , وَدَاعِيًّا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا } . فَوَظِيفَةُ الدَّاعِيَةِ إذَنْ مِنْ الشَّرَفِ فِي مَرْتَبَةٍ عَالِيَةٍ , إذْ أَنَّهَا تَبْلِيغُ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَمُتَابَعَةُ مُهِمَّةِ الرُّسُلِ , وَالسَّيْرُ عَلَى طَرِيقِهِمْ , كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قوله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي } وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مِنْ دُعَاءِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ أَنْ يَقُولُوا: { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا } قَالَ قَتَادَةَ:"أَيْ قَادَةً فِي الْخَيْرِ , وَدُعَاةَ هُدًى يُؤْتَمُّ بِنَا فِي الْخَيْرِ". 10 - ( الْوَجْهُ الثَّانِي ) : مَا يُشِيرُ إلَيْهِ قوله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا . . . } فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الدُّعَاءَ إلَى اللَّهِ , وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ , هُوَ أَحْسَنُ الْقَوْلِ , وَأَعْلَاهُ مَرْتَبَةً , وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِشَرَفِ غَايَاتِهِ وَعِظَمِ أَثَرِهِ . 11 - ( الْوَجْهُ الثَّالِثُ ) : مَا يُشِيرُ إلَيْهِ قوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ . . . } وَقَوْلُهُ: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ } , إلَى قَوْلِهِ: { وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } , فَالْآيَةُ تُبَيِّنُ أَفْضَلِيَّةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهَا , وَأَنَّهُ هُوَ دَعْوَةُ النَّاسِ , وَالتَّسَبُّبُ فِي إيمَانِهِمْ , وَفِي مُسَارَعَتِهِمْ إلَى الْمَعْرُوفِ وَانْتِهَائِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ . وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ: حَصَرَتْ الْفَلَاحَ فِي الدُّعَاةِ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ النَّاهِينَ , عَنْ الْمُنْكَرِ . 12 - ( الْوَجْهُ الرَّابِعُ ) : مَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ لَهُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ } فَفِيهِ عِظَمُ أَجْرِ الدُّعَاةِ إذَا اهْتَدَى بِدَعْوَتِهِمْ أَقْوَامٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ , وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه لَمَّا أَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ: { اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِك حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَوَاَللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ يَكُونَ لَك حُمْرُ النَّعَمِ } .
وفي المغني:
( 4692 ) فَصْلٌ: وَإِنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ , وَقَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ . أَوْ قَالَ: هَذِهِ وَصِيَّتِي , فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَا .