3 -يَخْتَلِفُ حُكْمُ الِانْحِنَاءِ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ الْبَاعِثِ عَلَيْهِ: فَقَدْ يَكُونُ الِانْحِنَاءُ مُبَاحًا , كَالِانْحِنَاءِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْمُسْلِمُ فِي أَعْمَالِهِ الْيَوْمِيَّةِ . وَقَدْ يَكُونُ فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِهِ , كَمَا هُوَ فِي الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ . وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ , وَهُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِقَدْرِ مَا يَمُدُّ يَدَيْهِ فَتَنَالُ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الشَّخْصِ الْمُعْتَدِلِ الْقَامَةِ . وَتَفْصِيلُ هَذَا فِي ( رُكُوعٌ ) . وَقَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا , كَالِانْحِنَاءِ تَعْظِيمًا لِإِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ جَمَادٍ . وَهَذَا مِنْ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ . وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الِانْحِنَاءَ عِنْدَ الِالْتِقَاءِ بِالْعُظَمَاءِ كَكِبَارِ الْقَوْمِ وَالسَّلَاطِينِ تَعْظِيمًا لَهُمْ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ . لِأَنَّ الِانْحِنَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا لَهُ , وَلِقَوْلِهِ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ: { يَا رَسُولَ اللَّهِ , الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: لَا } . أَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ الِانْحِنَاءُ مُجَرَّدَ تَقْلِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ , دُونَ قَصْدِ التَّعْظِيمِ لِلْمُنْحَنَى لَهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ , لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَجُوسِ . قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الِانْحِنَاءُ لِلْمَخْلُوقِ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ , وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَادَاتِ بَعْضِ الْمُلُوكِ وَالْجَاهِلِينَ . أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الِانْحِنَاءِ لِلسُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِكْرَاهِ بِشُرُوطِهِ , لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْكُفْرِ . وَتَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ ( إكْرَاهٌ ) .
17 -يَجُوزُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي عِنْدَهُ حَقٌّ وَكَانَ مُبْطِلًا فِي دَعْوَاهُ . أَمَّا إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَالِمًا بِحَقِّ الْمُدَّعِي عِنْدَهُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْإِنْكَارُ . وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَسْأَلَتَيْنِ يَجُوزُ فِيهِمَا الْإِنْكَارُ , مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُحِقٌّ: الْأُولَى: دَعْوَى الْعَيْبِ الْقَدِيمِ , كَمَا إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَالَ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْك فِيهِ كَذَا , فَلِلْبَائِعِ - وَلَوْ كَانَ وَاقِفًا عَلَى الْعَيْبِ الْقَدِيمِ - أَنْ يُنْكِرَ وُجُودَهُ حَتَّى يَثْبُتَهُ الْمُشْتَرِي , وَيَرُدَّهُ إلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ بِدَوْرِهِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى مَنْ بَاعَهُ إيَّاهُ . الثَّانِيَةُ: لِوَصِيِّ الْمُتَوَفَّى أَنْ يُنْكِرَ دَيْنَ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ . هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي دُرَرِ الْحُكَّامِ . وَفِي شَرْحِ الْأَتَاسِيِّ عَلَى الْمَجَلَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَسُوغُ لَهُ الْإِنْكَارُ إنْ تَحَقَّقَتْ حَاجَتُهُ إلَى الْبَيِّنَةِ . قَالَ: وَهَذَا فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: اسْتَحَقَّ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يُعْذَرُ فِي الْإِنْكَارِ , وَإِنْ عَلِمَ صِدْقَ الْمُدَّعِي , إذْ لَوْ أَقَرَّ هُوَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى بَائِعِهِ بِالْيَمِينِ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إذَا نَصَبَ الْقَاضِي مُسَخَّرًا ( أَيْ مُمَثِّلًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ ) يُنْكِرُ عَنْ الْبَائِعِ جَازَ لِلْمُسَخِّرِ الْإِنْكَارُ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا . وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِالْمَصْلَحَةِ . وَلَعَلَّهُمْ يَقْصِدُونَ مَصْلَحَةَ تَمْكِينِ الْمُدَّعِي مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ; لِتَكُونَ الْبَيِّنَةُ بِنَاءً عَلَى إنْكَارِ مُنْكِرٍ . وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِنْكَارُ فِي حَالِ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ , وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِكْرَاهِ . قَالُوا: إذَا اسْتَخْفَى الرَّجُلُ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنْ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ الَّذِي يُرِيدُ دَمَهُ أَوْ مَالَهُ , فَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ عَنْهُ , فَسَتَرَ عَلَيْهِ , وَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ , فَقَالَ لَهُ: احْلِفْ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَك , فَحَلَفَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي ; لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَدَمِهِ , أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ , فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ . أَمَّا إنْ كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَقِيَهُ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أُجِرَ فِيمَا فَعَلَ , وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ فِيمَا حَلَفَ . قَالُوا: وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَالِكٌ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ . أَمَّا التَّخَلُّصُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْمَأْزِقِ بِالتَّأْوِيلِ وَالتَّوْرِيَةِ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ ( تَوْرِيَةٌ ) .
ثَالِثًا - عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي عَقِيدَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ: