فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 1037

"كان أهل الذمة المسيحيون، والزردشتيون، واليهود، والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيرًا لها في المسيحية في هذه الأيام. فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم.. وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم"انتهى .

وقال الدكتور جورج حنا من نصارى لبنان:

"إن المسلمين العرب لم يعرف عنهم القسوة والجور في معاملتهم للمسيحيين بل كانوا يتركون لأهل الكتاب حرية العبادة وممارسة طقوسهم الدينية، مكتفين بأخذ الجزية منهم"انتهى .

وأما إكراه النصارى للمسلمين على تغيير دينهم ، وقتلهم وتعذيبهم إن رفضوا ذلك ، فشواهده من التاريخ القديم والمعاصر واضحة للعيان ، وما محاكم التفتيش إلا مثال واحد فقط من هذه الوقائع .

ولعلنا نبين ذلك في أجوبة أخرى إن شاء الله .

ونسأل الله تعالى أن يعز دينه ، ويعلي كلمته .

انظر:"التسامح في الإسلام بين المبدأ والتطبيق"للدكتور شوقي أبو خليل ،"الإسلام خواطر وسوانح".

والله تعالى أعلم .

الإسلام سؤال وجواب

هل تجوز له الهجرة إلى أوربا إذا لم يستطع إظهار دينه في بلده ؟

سؤال:

في بلدنا تمنع السلفية ويمنع التمسك بالأحكام الشرعية كاللحية وتقصير الثياب والصلاة في المسجد وخاصة الفجر والكلام بما يخالف المذهب المعمول به هنا وغير ذلك أريد أن أسأل عن الهجرة شروطها ومتى تجب ؟ وما هي الأماكن التي يهاجر إليها والتي لا يهاجر إليها ؟ وهل تجوز الهجرة إلى أوروبا وأمريكا ؟ كما أن البلدان العربية والإسلامية لا تسمح بالهجرة إليها .

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ذكر أهل العلم أن من أقسام الهجرة المشروعة: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، ومن دار البدعة إلى دار السنة ، ومن الأرض التي يغلب عليها الحرام ، والهجرة فرارا من الأذى في البدن أو المال أو الأهل .

قال ابن العربي المالكي رحمه الله:"الهجرة وهي تنقسم إلى ستة أقسام:"

الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام ، وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم مع غيرها من أنواعها ، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة ، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان .

الثاني: الخروج من أرض البدعة ، قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم ببلد يسب فيها السلف .

وهذا صحيح ، فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه ، قال الله تعالى: ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) الأنعام/68 .

وقد كنت قلت لشيخنا الإمام الزاهد أبي بكر الفهري: ارحل عن أرض مصر إلى بلادك فيقول: لا أحب أن أدخل بلادا غلب عليها كثرة الجهل وقلة العقل ، فأقول له: فارتحل إلى مكة أقم في جوار الله وجوار رسوله ، فقد علمت أن الخروج عن هذه الأرض فرض لما فيها من البدعة والحرام ، فيقول: وعلى يدي فيها هُدَى كثير وإرشاد للخلق وتوحيد وصد عن العقائد السيئة ودعاء إلى الله عز وجل .

الثالث: الخروج عن أرض غلب عليها الحرام ؛ فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم .

الرابع: الفرار من الإذاية في البدن ، وذلك فضل من الله عز وجل أرخص فيه ، فإذا خشي المرء على نفسه في موضع فقد أذن الله سبحانه له في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور ، وأول من حفظناه فيه الخليل إبراهيم عليه السلام لما خاف من قومه قال: ( إني مهاجر إلى ربي ) العنكبوت/26 ، وقال: ( إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) الصافات/99 وموسى قال الله سبحانه فيه: ( فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ) القصص/21 .

الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة ، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم للرعاء حين استوخموا المدينة أن يتنزهوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا ، وقد استثني من ذلك الخروج من الطاعون فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم .

السادس: الفرار خوف الأذية في المال ، فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه ، والأهل مثله أو آكد"انتهى من"أحكام القرآن" (1/611) باختصار . ولا شك أن هذه المقاصد متفاوتة في الحكم بحسب حال الشخص ، فقد تجب وقد تستحب ."

والمتحصل من كلام أهل العلم أن الهجرة تجب على من عجز عن إظهار دينه ، واستطاع الهجرة . وأما من قدر على إظهار دينه ، فلا تجب عليه الهجرة ، وكذلك من عجز عن إظهار دينه وعجز عن الهجرة ، فقد عذره الله تعالى .

قال ابن قدامة رحمه الله مبينا أصناف الناس في حكم الهجرة:"فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:"

أحدها: من تجب عليه , وهو من يقدر عليها , ولا يمكنه إظهار دينه , ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار , فهذا تجب عليه الهجرة ; لقول الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) . وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب . ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه , والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته , وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت