10 -لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ شُرُوطٌ فِي الْقَاتِلِ , وَالْمَقْتُولِ , وَفِعْلِ الْقَتْلِ , لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ إلَّا بِتَوَفُّرِهَا , وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا الْآخَرِ , كَمَا يَلِي: أ - التَّكْلِيفُ: 11 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاتِلِ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا , أَيْ عَاقِلًا بَالِغًا عِنْدَ الْقَتْلِ , فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ إذَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا جُنُونًا مُطْبِقًا عِنْدَ الْقَتْلِ . فَإِذَا قَتَلَهُ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ إنْ دَفَعَهُ الْقَاضِي لِلْوَلِيِّ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ اُقْتُصَّ مِنْهُ , وَإِنْ جُنَّ قَبْلَ دَفْعِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ بَدَلًا مِنْهُ اسْتِحْسَانًا , وَكَذَلِكَ إذَا جُنَّ قَبْلَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ , فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ ; لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُخَاطَبًا حَالَةَ الْوُجُوبِ وَذَلِكَ بِالْقَضَاءِ وَيَتِمُّ بِالدَّفْعِ , فَإِذَا جُنَّ قَبْلَ الدَّفْعِ تَمَكَّنَ الْخَلَلُ فِي الْوُجُوبِ فَصَارَ كَمَا لَوْ جُنَّ قَبْلَ الْقَضَاءِ . فَإِنْ كَانَ يَجِنُّ وَيُفِيقُ , فَإِنْ قَتَلَ فِي إفَاقَتِهِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ , فَإِنْ جُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ مُطْبِقًا سَقَطَ الْقِصَاصُ , وَإِنْ غَيْرَ مُطْبِقٍ قُتِلَ قِصَاصًا بَعْدَ إفَاقَتِهِ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُنْتَظَرُ إلَى حِينِ إفَاقَتِهِ ثُمَّ يُقْتَصُّ مِنْهُ . فَإِذَا كَانَ الْقَاتِلُ مَجْنُونًا جُنُونًا مُتَقَطِّعًا , فَإِنْ قَتَلَهُ فِي حَالِ صَحْوِهِ اُقْتُصَّ مِنْهُ فِي حَالِ صَحْوِهِ , وَإِنْ قَتَلَهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ وَهُوَ مَجْنُونٌ جُنُونًا مُطْبِقًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ جُنُونُهُ مُتَقَطِّعًا , فَإِنْ قَتَلَهُ حَالَ الْجُنُونِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ حَالَ الْجُنُونِ وَهُوَ فِيهَا غَيْرُ مُكَلَّفٍ , وَإِنْ قَتَلَهُ حَالَ الْإِفَاقَةِ , أَوْ قَتَلَهُ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ , وَيُقْتَصُّ مِنْهُ حَالَ جُنُونِهِ . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ عَنْهُ , ثُمَّ يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ إنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ , فَإِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ حَتَّى يَصْحُوَ ; لِاحْتِمَالِ رُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِهِ . وَمِثْلُ الْجُنُونِ: النَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ , لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } . أَمَّا السَّكْرَانُ , فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ , وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمَا إلَى أَنَّهُ إنْ قَتَلَ وَهُوَ سَكْرَانُ , فَإِنْ كَانَ سُكْرُهُ بِمُحَرَّمٍ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ سُكْرُهُ لِعُذْرٍ كَالْإِكْرَاهِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: إنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ , وَفِيهِ رِوَايَتَانِ , فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ .
16 -ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إسْقَاطِ الْقِصَاصِ عَنْ الْمُكْرَهِ , فَإِذَا قَتَلَ غَيْرَهُ مُكْرَهًا لَزِمَهُ الْقِصَاصُ , وَلَزِمَ الْقِصَاصُ الْمُكْرَهَ أَيْضًا وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْقِصَاصِ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُخْتَارًا اخْتِيَارَ الْإِيثَارِ , فَلَا قِصَاصَ عَلَى مُكْرَهٍ إكْرَاهًا مُلْجِئًا اسْتَوْفَى شُرُوطَهُ الْأُخْرَى , وَهَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ ( إكْرَاهٌ ف 19 ) . أَمَّا الْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ فَلَا أَثَرَ لَهُ وَيُقْتَصُّ مَعَهُ مِنْ الْقَاتِلِ . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ ( إكْرَاهٌ ف 19 - 24 ) .
م - ( كَرَاهِيَةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ) :