13 -لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ حِلَّ أَمْوَالِ النَّاسِ مَنُوطٌ بِالرِّضَا , لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ } وَقَوْلِهِ: { وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ } , وَفِي رِوَايَةٍ: { لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ } , وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الرِّضَا فِي التَّصَرُّفَاتِ شَرْطًا أَوْ لَا ؟ . فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الرِّضَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعُقُودِ الَّتِي تَقْبَلُ الْفَسْخَ - وَهِيَ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ , وَنَحْوِهَا - أَيْ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا مَعَ التَّرَاضِي , وَقَدْ تَنْعَقِدُ الْمَالِيَّةُ لَكِنَّهَا تَكُونُ فَاسِدَةً كَمَا فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ , وَيَقُولُ الْمَرْغِينَانِيُّ: ; لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ التَّرَاضِيَ"وَجَاءَ فِي التَّلْوِيحِ: أَنَّهُ - أَيْ الْبَيْعَ - يَعْتَمِدُ الْقَصْدَ تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ , وَيَعْتَمِدُ الرِّضَا ; لِكَوْنِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ , بِخِلَافِ الطَّلَاقِ"وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ أَصْلَ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ تَنْعَقِدُ بِدُونِ الرِّضَا , لَكِنَّهَا لَا تَكُونُ صَحِيحَةً , يَقُولُ أَمِيرُ بَادْشَاهْ الْحَنَفِيُّ: وَيَنْعَقِدُ بَيْعُ الْمُخْطِئِ نَظَرًا إلَى أَصْلِ الِاخْتِيَارِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ صَدَرَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ , أَوْ بِإِقَامَةِ الْبُلُوغِ مَقَامَ الْقَصْدِ , لَكِنْ يَكُونُ فَاسِدًا غَيْرَ نَافِذٍ لِعَدَمِ الرِّضَا حَقِيقَةً". وَأَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْفَسْخَ فِي نَظَرِهِمْ , فَالرِّضَا لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا وَلَا لَهُ أَثَرٌ فِيهَا , فَقَدْ ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِنْدَهُمْ , فَبَلَغَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ تَصَرُّفًا , مِنْهَا الطَّلَاقُ , وَالنِّكَاحُ , وَالْعَتَاقُ , وَالرَّجْعَةُ , وَالْحَلِفُ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ وَظِهَارٍ , وَالْإِيلَاءُ , وَقَبُولُ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ . . وَيَقُولُ ابْنُ الْهُمَامِ: وَيَقَعُ طَلَاقُ الْمُخْطِئِ ; لِأَنَّ الْغَفْلَةَ عَنْ مَعْنَى اللَّفْظِ خَفِيٌّ , فَأُقِيمَ تَمْيِيزُ الْبُلُوغِ مَقَامَهُ", وَعَلَّلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعَقْدِ تُعَلَّقُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ . وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَتَدُورُ عِبَارَاتُهُمْ بَيْنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الرِّضَا أَصْلٌ أَوْ أَسَاسٌ أَوْ شَرْطٌ لِلْعُقُودِ كُلِّهَا , فَعَلَى ضَوْءِ مَا صَرَّحُوا بِهِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الرِّضَا لَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ , سَوَاءٌ أَكَانَ مَالِيًّا أَمْ غَيْرَ مَالِيٍّ , يَقُولُ الدُّسُوقِيُّ وَالْخَرَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إنَّ الْمَطْلُوبَ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا , وَإِنَّ انْتِقَالَ الْمِلْكِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الرِّضَا"وَيَقُولُ الزَّنْجَانِيُّ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ . . اتِّبَاعُ التَّرَاضِي . .". وَيُصَرِّحُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ التَّرَاضِيَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ مَا لَمْ يُكْرَهْ بِحَقٍّ , كَاَلَّذِي يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ . 14 - هَذَا , وَإِنَّ الرِّضَا أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَيْلُ النَّفْسِ فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ الصِّيغَةُ الَّتِي هِيَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ , فَيَنْعَقِدُ الْعَقْدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إشَارَةٍ .