وَيُشْتَرَطُ فِي جَمِيعِ هَذَا أَلَّا يُظْهِرُوهَا وَلَا يَجْهَرُوا بِهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , وَإِلَّا مُنِعُوا وَعُزِّرُوا , وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ , فَقَدْ جَاءَ فِي شُرُوطِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ:"أَلَّا نَضْرِبَ نَاقُوسًا إلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا , وَلَا نُظْهِرَ عَلَيْهَا صَلِيبًا , وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةَ فِي كَنَائِسِنَا , وَلَا نُظْهِرُ صَلِيبًا وَلَا كِتَابًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ"إلَخْ هَذَا , وَقَدْ فَصَّلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْقُرَى , فَقَالُوا: لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ شَيْءٍ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالصَّلِيبِ وَضَرْبِ النَّاقُوسِ فِي قَرْيَةٍ , أَوْ مَوْضِعٍ لَيْسَ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ , وَلَوْ كَانَ فِيهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ , وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ , وَهِيَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمَعُ وَالْأَعْيَادُ وَالْحُدُودُ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ إظْهَارِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِكَوْنِهِ إظْهَارَ شَعَائِرِ الْكُفْرِ فِي مَكَانِ إظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ , فَيَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِالْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِإِظْهَارِ الشَّعَائِرِ , وَهُوَ الْمِصْرُ الْجَامِعُ . وَفَصَّلَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْقُرَى الْعَامَّةِ وَالْقُرَى الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ , فَلَا يَمْنَعُونَ فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ إظْهَارِ عِبَادَاتِهِمْ .
42 -يَنْتَهِي عَهْدُ الذِّمَّةِ بِإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عُقِدَ وَسِيلَةً لِلْإِسْلَامِ , وَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ . وَيُنْتَقَضُ عَهْدُ الذِّمَّةِ بِلُحُوقِ الذِّمِّيِّ دَارَ الْحَرْبِ , أَوْ بِغَلَبَتِهِمْ عَلَى مَوْضِعٍ يُحَارِبُونَنَا مِنْهُ ; لِأَنَّهُمْ صَارُوا حَرْبًا عَلَيْنَا , فَيَخْلُو عَقْدُ الذِّمَّةِ عَنْ الْفَائِدَةِ , وَهُوَ دَفْعُ شَرِّ الْحَرْبِ . وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ . وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ يُنْتَقَضُ أَيْضًا بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْجِزْيَةِ ; لِمُخَالَفَتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ امْتَنَعَ الذِّمِّيُّ عَنْ إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ ; لِأَنَّ الْغَايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الْقِتَالُ الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ لَا أَدَاؤُهَا , وَالِالْتِزَامُ بَاقٍ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ لِعُذْرِ الْعَجْزِ الْمَالِيِّ , فَلَا يُنْقَضُ الْعَهْدُ بِالشَّكِّ . 43 - وَهُنَاكَ أَسْبَابٌ أُخْرَى اعْتَبَرَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ نَاقِضَةً لِلْعَهْدِ مُطْلَقًا , وَبَعْضُهُمْ بِشُرُوطٍ: فَقَدْ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُنْقَضُ عَهْدُ الذِّمَّةِ بِالتَّمَرُّدِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ , بِإِظْهَارِ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا , وَبِإِكْرَاهِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَى بِهَا إذَا زَنَى بِهَا بِالْفِعْلِ , وَبِغُرُورِهَا وَتَزَوُّجِهَا وَوَطْئِهَا , وَبِتَطَلُّعِهِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَبِسَبِّ نَبِيٍّ مُجْمَعٍ عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَنَا بِمَا لَمْ يُقَرَّ عَلَى كُفْرِهِ بِهِ . فَإِنْ سَبَّ بِمَا أُقِرَّ عَلَى كُفْرِهِ بِهِ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ , كَمَا إذَا قَالَ: عِيسَى إلَهٌ مَثَلًا , فَإِنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ , أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ , أَوْ دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ , أَوْ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ , أَوَذَكَرَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم بِسُوءٍ , فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ انْتِقَاضَ الْعَهْدِ بِهَا انْتَقَضَ , وَإِلَّا فَلَا يُنْتَقَضُ ; لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْطَ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ , وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إنْ فَعَلُوا مَا ذُكِرَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ نُقِضَ الْعَهْدُ مُطْلَقًا , وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ إذَا لَمْ يُعْلِنْ السَّبَّ ; لِأَنَّ هَذَا زِيَادَةُ كُفْرٍ , وَالْعَقْدُ يَبْقَى مَعَ أَصْلِ الْكُفْرِ , فَكَذَا مَعَ الزِّيَادَةِ , وَإِذَا أَعْلَنَ قُتِلَ , وَلَوْ امْرَأَةً , وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ , بَلْ تُطَبَّقُ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ الْقَتْلِ وَالزِّنَى ; لِأَنَّ هَذِهِ مَعَاصٍ ارْتَكَبُوهَا , وَهِيَ دُونَ الْكُفْرِ فِي الْقُبْحِ وَالْحُرْمَةِ , وَبَقِيَتْ الذِّمَّةُ مَعَ الْكُفْرِ , فَمَعَ الْمَعْصِيَةِ أَوْلَى .
عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ: