-الْإِنْسَانُ مُحْتَاجٌ إلَى مَا يُحَقِّقُ مَصَالِحَهُ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ دُونَ حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ وَكُلُّ مَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ مَشَقَّةٍ وَحَرَجٍ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَصْلَحَةِ يُعْتَبَرُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ . وَلِذَلِكَ يَقُولُ الشَّاطِبِيُّ: الْحَاجِيَّاتُ مُفْتَقَرٌ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةُ وَرَفْعُ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَطْلُوبِ . وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ أَوْ حَالَاتِ الْحَاجَةِ إلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلِ: أَسْبَابٌ مَصْلَحِيَّةٌ فِي الْأَصْلِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلنَّاسِ فِي حَيَاتِهِمْ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ . وَهَذِهِ الْمَصَالِحُ هِيَ مَا شُرِعَ لَهَا مَا يُنَاسِبُهَا وَيُحَقِّقُهَا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ وَالضَّمَانِ وَغَيْرِهَا . وَالْإِنْسَانُ مُكَلَّفٌ بِعِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا دَامَتْ حَيَاتُهُ , وَلَا تَتِمُّ حَيَاتُهُ إلَّا بِدَفْعِ ضَرُورَاتِهِ وَحَاجَاتِهِ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمُنَاكِحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ , وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إلَّا بِإِبَاحَةِ التَّصَرُّفَاتِ الدَّافِعَةِ لِلضَّرُورَاتِ وَالْحَاجَاتِ . وَفِي قَوَاعِدِ الْأَحْكَامِ امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا أَبَاحَهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ , وَبِمَا جَوَّزَهُ مِنْ الْإِجَارَاتِ وَالْجَعَالَاتِ وَالْوَكَالَاتِ تَحْصِيلًا لِلْمَنَافِعِ الَّتِي لَا تُحْصَى كَثْرَةً . الثَّانِي: أَسْبَابٌ هِيَ أَعْذَارٌ طَارِئَةٌ . قَالَ السُّيُوطِيّ وَابْنُ نُجَيْمٍ: أَسْبَابُ التَّخْفِيفِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا سَبْعَةٌ , وَهِيَ: السَّفَرُ , وَالْمَرَضُ , وَالْإِكْرَاهُ , وَالنِّسْيَانُ , وَالْجَهْلُ , وَالْعُسْرُ , وَعُمُومُ الْبَلْوَى , وَالنَّقْصُ . وَفِي تَفْصِيلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يُرْجَعُ إلَى مُصْطَلَحِ: ( تَيْسِيرٌ: ج 14 ص 211 مِنْ الْمَوْسُوعَةِ ) .
114 -ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الْعَدِيدَ مِنْ أَحْكَامِ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَحْبُوسِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ وَالْجِنَائِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ وَغَيْرِهَا , وَهَذَا بَيَانُهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: التَّصَرُّفَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمَحْبُوسِ: بَيْعُ الْمَحْبُوسِ مَالَهُ مُكْرَهًا: 115 - لِلْمَحْبُوسِ التَّصَرُّفُ بِمَالِهِ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً وَنَحْوَهُ بِحَسَبِ مَا يَرَى ; لِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ . فَإِنْ أُكْرِهَ بِالْحَبْسِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ أَوْ التَّأْجِيرِ فَلَهُ الْفَسْخُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ لِانْعِدَامِ الرِّضَا . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ إكْرَاهٌ .
الرُّجُوعُ عَلَى الْمَحْبُوسِ بِالْمَالِ الْمَدْفُوعِ عَنْهُ لِتَخْلِيصِهِ:
116 -ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ فَدَفَعَ عَنْهُ قَرِيبُهُ مَا خَلَّصَهُ بِهِ مِنْ الْحَبْسِ ثُمَّ سَكَتَ وَلَمْ يُطَالِبْهُ بِالْمَدْفُوعِ حَتَّى مَاتَ , فَقَامَ وَلَدُهُ يُطَالِبُ بِالْمَدْفُوعِ وَأَنَّهُ سَلَفٌ , وَالْمَحْبُوسُ الْمُفْتَدَى يَدَّعِي أَنَّهُ هِبَةٌ , فَالْحُكْمُ أَنَّ عَلَى مُدَّعِي الْهِبَةِ الْبَيِّنَةَ , وَلَا حُجَّةَ بِسُكُوتِ الدَّافِعِ عَنْهُ , لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ لَزِمَ فِي ذِمَّتِهِ . وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ إذَا أُكْرِهَ قَرِيبٌ أَوْ صَدِيقٌ وَنَحْوُهُ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ عَنْ مَحْبُوسٍ فَدَفَعَهُ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَحْبُوسِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ; لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ وَالدَّفْعَ بِسَبَبِهِ , فَلَا يَذْهَبُ الْمَالُ هَدَرًا ; وَلِأَنَّ النُّفُوسَ وَالْأَمْوَالَ يَعْتَرِيهَا مِنْ الضَّرَرِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِأَدَاءِ مَالٍ عَنْهَا . وَلَوْ عَلِمَ الْمُؤَدِّي أَنَّهُ لَا يَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَهُ مِنْ الْمَحْبُوسِ إلَّا بِإِذْنِهِ لَمْ يَفْعَلْ , وَإِذَا لَمْ يُقَابِلْ الْمَحْبُوسُ الْإِحْسَانَ بِمِثْلِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ , وَالظُّلْمُ حَرَامٌ , وَالْأَصْلُ فِي هَذَا اعْتِبَارُ الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ فِي التَّصَرُّفَاتِ
الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ: