9 -الْبَيْعَةُ عَقْدُ مُرَاضَاةٍ وَاخْتِيَارٍ لَا يَدْخُلُهُ إكْرَاهٌ وَلَا إجْبَارٌ , وَهُوَ عَقْدٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ . وَثَانِيهمَا: الشَّخْصُ الَّذِي أَدَّاهُمْ اجْتِهَادُهُمْ إلَى اخْتِيَارِهِ مِمَّنْ قَدْ اسْتَوْفَوْا شَرَائِطَ الْإِمَامَةِ لِيَكُونَ إمَامًا لَهُمْ . فَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِلِاخْتِيَارِ , وَتَصَفَّحُوا أَحْوَالَ أَهْلِ الْإِمَامَةِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِمْ شُرُوطُهَا , فَقَدَّمُوا لِلْبَيْعَةِ مِنْهُمْ أَكْثَرَهُمْ فَضْلًا وَأَكْمَلَهُمْ فِي تِلْكَ الشُّرُوطِ , وَمَنْ يُسْرِعُ النَّاسُ إلَى طَاعَتِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُونَ عَنْ بَيْعَتِهِ . فَإِذَا تَعَيَّنَ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ الْجَمَاعَةِ مَنْ أَدَّاهُمْ الِاجْتِهَادُ إلَى اخْتِيَارِهِ عَرَضُوهَا عَلَيْهِ , فَإِنْ أَجَابَ إلَيْهَا بَايَعُوهُ عَلَيْهَا , وَانْعَقَدَتْ بِبَيْعَتِهِمْ لَهُ الْإِمَامَةُ , فَلَزِمَ كَافَّةَ الْأَمَةِ الدُّخُولُ فِي بَيْعَتِهِ وَالِانْقِيَادُ لِطَاعَتِهِ , وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِمَامَةِ وَلَمْ يُجِبْ إلَيْهَا لَمْ يُحْبَرْ عَلَيْهَا , وَعُدِلَ عَنْهُ إلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ مُسْتَحِقِّيهَا .
مَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَاتِ: يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ بِأُمُورٍ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ وَهِيَ: أ - الْفِطْرُ بِإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَنَحْوِهِمَا:
9 -يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْإِفْطَارَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ , بِاسْتِثْنَاءِ عُذْرِ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ , وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُذْرِ الْمَرَضِ أَوْ غَيْرِهِ , وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْإِكْرَاهَ . وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ . وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْكَفَّارَةِ صِيَامُ تِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا بِغَيْرِ اعْتِبَارِ الْأَهِلَّةِ , أَمَّا إذَا صَامَ شَهْرَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْأَهِلَّةِ , فَإِنَّ صَوْمَهُ يَصِحُّ حَتَّى وَلَوْ كَانَ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْفِطْرَ بِالْإِكْرَاهِ بِمُؤْلِمٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ , وَلَا يَقْطَعُهُ أَيْضًا فِطْرُ مَنْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ , أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهُ , وَكَذَا لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عِنْدَهُمْ فِطْرُ مَنْ صَامَ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا , ثُمَّ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ظَانًّا الْكَمَالَ . وَلَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عِنْدَهُمْ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ نَاسِيًا عَلَى الْمَشْهُورِ , وَلَا يَقْطَعُهُ جِمَاعُ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا نَهَارًا نِسْيَانًا , أَوْ لَيْلًا وَلَوْ عَمْدًا . وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْأَكْلِ يُبْطِلُ التَّتَابُعَ , بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَيْهِ يُبْطِلُ الصَّوْمَ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ , لِأَنَّهُ سَبَبٌ نَادِرٌ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي الصُّورَتَيْنِ , كَمَا جَاءَ فِي الرَّوْضَةِ , وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ , وَجَعَلَهُمَا ابْنُ كَجٍّ كَالْمَرَضِ , وَكَذَا إذَا اسْتَنْشَقَ فَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى دِمَاغِهِ , فَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ الْخِلَافُ , بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُفْطِرُ , وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَوْ أُوجِرَ الطَّعَامَ مُكْرَهًا لَمْ يُفْطِرْ وَلَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ , قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ . وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ التَّتَابُعَ لَا يَقْطَعُ بِالْفِطْرِ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ أَوْ الْخَطَأِ أَوْ النِّسْيَانِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ , لِحَدِيثِ: { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } لَا إنْ أَفْطَرَ لِجَهْلٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِهِ , وَأَمَّا الَّذِي أَفْطَرَ خَطَأً كَمَنْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ أَوْ الْغُرُوبَ فَبَانَ خِلَافُهُ فَلَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُ صِيَامِهِ , وَأَمَّا الَّذِي أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ فَبَانَ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ تَتَابُعُ صِيَامِهِ , أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْوَاجِبَ شَهْرٌ وَاحِدٌ فَأَفْطَرَ , أَوْ أَفْطَرَ نَاسِيًا لِوُجُوبِ التَّتَابُعِ , أَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ انْقَطَعَ تَتَابُعُ صِيَامِهِ لِقَطْعِهِ إيَّاهُ , وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ .