فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 1037

المفصل في شرح آية لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ

قال تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (256) سورة البقرة

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين 0

أما بعد:

فإن الإسلام هو الرسالة الأخيرة الخاتمة لكل رسالات السماء والناسخة لها

قال تعالى:

( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33)

ومن ثم فقد أوجب الله سبحانه وتعالى على الأمة الإسلامية الجهاد في سبيل الله تعالى ،لتحرير البشرية جمعاء من عبادة العباد ليكونوا عبيدا لله وحده لا شريك له ،ولإقامة العدل في الأرض ، ومنع الشر والفساد فيها 0

قال تعالى:

( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)

وقال تعالى: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة:193)

وقال تعالى: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (لأنفال:39)

ومن ثم لا بد من إزالة جميع العقبات التي تقف دون تحقيق هذه الغاية الرفيعة في الأرض ، حتى تصل هذه الرسالة العظيمة والخاتمة إلى كل الناس ، وعندها فلينظروا فيها بمحض إرادتهم دون ضغط ، أو إكراه من أحد، وليختاروا ما يريدون ،فإن اختاروا الإسلام فبه ونعمت ، وإن أبوا إلا البقاء على دينهم السابق فليدفعوا الجزية للمسلمين ، وليتركوا من شاء الدخول في الإسلام منهم أن يدخل فيه دون قسر ولا إكراه 0

وهذه الآية التي نحن بصددها ، هي آية محكمة

وهي قوله تعالى:

{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } {265} البقرة

تأتي في هذا الإطار الذي قلناه

ومعناها هنا أنها تحرم على المسلمين إجبار الناس على الدخول في الإسلام ، لأنه لا قيمة لمن يدخل مجبرا في الإسلام ، وقد عمل المسلمون بموجبها عبر تاريخهم الطويل في تعاملهم مع الناس 0

وقد ظن قوم محسوبون على الإسلام والمسلمين، أن هذه الآية ناسخة لآيات الجهاد (( جهاد الطلب ) )

وكذلك ناسخة لكثير من الحدود (( كحد الردة ) )على حد زعمهم ، باسم حرية العقيدة

وهذا التفسير الباطل لهذه الآية ليس مردُّه إلى علماء المسلمين القدامى ؛ من مفسرين وفقهاء ومحدِّثين ، معاذ الله 0

ولكن مردَّه إلى ثقل الواقع الذي يعيشه هؤلاء ، وانبهارهم بالحضارة الغربية (( التي لم تصدر للعالم سوى الشر والفساد والدمار ) )

فراحوا يؤولون النصوص الشرعية المحكمة ، تأويلات بعيدةً عن مفهومها وغاية نزولها ، وبعد ذلك يدَّعون أنهم أصحاب فكر حر ، أو أصحاب الفكر الإسلامي العالمي ، أو أصحاب حوار الأديان !!!

أو أصحاب حوار الطرشان 000

وما أكثرهم اليوم على الفضائيات العربية ، تحت اسم باحث في الفكر الإسلامي ، باحث في حوار الحضارات ، باحث إستراتيجي ، باحث في 0000

وهؤلاء كما قال الله تعالى عنهم في كتابه العزيز:

{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (4) المنافقون

فهم أجسام تعجب . لا أناسي تتجاوب !

وما داموا صامتين فهم أجسام معجبة للعيون . .

فأما حين ينطقون فهم خواء من كل معنى ومن كل حس ومن كل خالجة . .

(تسمع لقولهم كأنهم خشب) . .

ولكنها ليست خشبا فحسب . إنما هي (خشب مسندة) . .

لا حركة لها , ملطوعة بجانب الجدار !

هذا الجمود الراكد البارد يصورهم من ناحية فقه أرواحهم إن كانت لهم أرواح !

ويقابله من ناحية أخرى حالة من التوجس الدائم والفزع الدائم والاهتزاز الدائم:

(يحسبون كل صيحة عليهم) . .

فهم يعرفون أنهم منافقون مستورون بستار رقيق من التظاهر والحلف والملق والالتواء . وهم يخشون في كل لحظة أن يكون أمرهم قد افتضح وسترهم قد انكشف . والتعبير يرسمهم أبدا متلفتين حواليهم ; يتوجسون من كل حركة ومن كل صوت ومن كل هاتف , يحسبونه يطلبهم , وقد عرف حقيقة أمرهم !!

وبينما هم خشب مسندة ملطوعة إذا كان الأمر أمر فقه وروح وشعور بإيقاعات الإيمان . .

إذا هم كالقصبة المرتجفة في مهب الريح إذا كان الأمر أمر خوف على الأنفس والأموال !

وهم بهذا وذاك يمثلون العدو الأول للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين:

(هم العدو فاحذرهم) . .

هم العدو الحقيقي . العدو الكامن داخل المجتمع الإسلامي , المختبئ في الصف . وهو أخطر من العدو الخارجي الصريح . (فاحذرهم) . .

(قاتلهم الله أنى يؤفكون) . .

فالله مقاتلهم حيثما صرفوا وأنى توجهوا . والدعاء من الله حكم بمدلول هذا الدعاء , وقضاء نافذ لا راد له ولا معقب عليه . . وهذا هو الذي كان في نهاية المطاف . (( الظلال ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت