فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 1037

وكذلك لا يجوز لنا شرعا إن كنا مسلمين ( حقا ) أن نلوي عنق النصوص الشرعية لنبرر هزيمة المسلمين ، وبعدهم عن دينهم الحنيف ، مهما أصابنا من فتنة وبلاء ومحنة 0

قال تعالى محذرا من خالف أمره:

( .... فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63)

ومن ثم نقول:

هذه الآية الكريمة ليست ناسخة لغيرها، بل مبينة ومقيدة لغيرها ليس إلا ، فنحن لا نجبر الناس على الدخول في الإسلام ،ولكننا مأمورون بتبليغ دين الله تعالى لكل الناس أينما كانوا 0

ومن ثم فنحن مأمورون بإزالة جميع العقبات والحواجز التي تحول بيننا وبين إيصال هذه الرسالة للناس ، حتى يكون الدين كله لله 0

فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-"بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِى تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِى وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِى وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"أخرجه أحمد برقم (5233 ) وهو صحيح .

ومع هذا فإن هذه الآية الكريمة ليست عامة؛ بل من العام المخصوص ، فلم يقل أحد من علماء المسلمين ممن يعوَّلُ على قوله غير ذلك 0

فهناك أنواع كثيرة من الإكراه ، قد أمر بها الشرع الحنيف 0

ومن ثم فإنَّ الإكراه ينقسمُ إلى خمسة أقسام:

إكراه حرام ، وهو مثل إجبار غير المسلم على الدخول في الإسلام ، أو إجبار المسلم على معصية الله تعالى

وإكراه مكروه ، وإكراه مباح ، وإكراه مستحب ، وإكراه واجب ( فرض ) كإجبار المسلم على طاعة الله ؛ كالصلاة، وإجباره على أداء حقوق الناس 0

ومن ذلك العقوبات ، فكلها تقوم على القوة ، ومنها إقامة الحد على المرتد 0

صحيح أننا لم نجبره على الدخول في الإسلام ، ولكنه إذا دخل حرًّا مختارا فيه فلا يجوز له تركه ، ومن ثم نعاقبه على ترك الإسلام ، كحدٍّ من حدود الله تعالى 0

فقد روى الترمذي برقم ( 1530 ) عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". وَلَمْ أَكُنْ لأُحَرِّقَهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-"لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى الْمُرْتَدِّ. وَاخْتَلَفُوا فِى الْمَرْأَةِ إِذَا ارْتَدَّتْ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تُقْتَلُ وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِىِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تُحْبَسُ وَلاَ تُقْتَلُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.

وهذه العقوبة لها شروطها المحددة لها شرعا ، وقد تكلمنا عنها في شرح الحديث المذكور مفصلا 0

وهي ليست من باب السياسة الشرعية، الذي يتغير بتغير الأزمان ، بل حدٌّ ثابت مقطوع به بإجماع العلماء 0

كما أننا لا نسمح بالإلحاد والكفر في داخل دار الإسلام ، بحجة حرية الرأي ، أو احتجاجا بهذه الآية الكريمة، كما يحلوا لهؤلاء العصرانيين ( المتفلتين ) حيث إنهم يبيحون السماح بإنشاء أحزاب كافرة ، داخل دار الإسلام ، ويسمحون للملحدين والمبتدعين بنشر إلحادهم وفسوقهم، باسم حرية الرأي، تقليدا للغرب الكافر الضال المنحرف عن كل خلق قويم ، تحت مسميات مختلفة ما أنزل الله بها من سلطان 0

وهذا مخالف مخالفة صريحة لدين الله تعالى ، وللغاية الأساسية من إرساله إلى الناس جميعا 0

قال تعالى:

( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة:47)

وقال تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا (27) } سورة النساء

فهذا المنهج هو منهج الله الذي سنه للمؤمنين جميعا . وهو منهج ثابت في أصوله , موحد في مبادئه , مطرد في غاياته وأهدافه . .

هو منهج العصبة المؤمنة من قبل ومن بعد . ومنهج الأمة الواحدة التي يجمعها موكب الإيمان على مدار القرون .

بذلك يجمع القرآن بين المهتدين إلى الله في كل زمان ومكان ; ويكشف عن وحدة منهج الله في كل زمان ومكان ; ويربط بين الجماعة المسلمة والموكب الإيماني الموصول , في الطريق اللاحب الطويل . وهي لفتة تشعر المسلم بحقيقة أصله وأمته ومنهجه وطريقه . .

إنه من هذه الأمة المؤمنة بالله , تجمعها آصرة المنهج الإلهي , على اختلاف الزمان والمكان , واختلاف الأوطان ; والألوان وتربطها سنة الله المرسومة للمؤمنين في كل جيل , ومن كل قبيل .

(ويتوب عليكم) . .

فهو - سبحانه - يبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم , ليرحمكم . . . ليأخذ بيدكم إلى التوبة من الزلل , والتوبة من المعصية . ليمهد لكم الطريق , ويعينكم على السير فيه . .

(والله عليم حكيم) . .

فعن العلم والحكمة تصدر هذه التشريعات . ومن العلم والحكمة تجيء هذه التوجيهات . العلم بنفوسكم وأحوالكم . والعلم بما يصلح لكم وما يصلحكم . والحكمة في طبيعة المنهج وفي تطبيقاته على السواء . .

(والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) . .

وتكشف الآية الواحدة القصيرة عن حقيقة ما يريده الله للناس بمنهجه وطريقته , وحقيقة ما يريده بهم الذين يتبعون الشهوات , ويحيدون عن منهج الله - وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات - فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام , وكل ما عداه إنْ هو إلا هوى يتبع , وشهوة تطاع , وانحراف وفسوق وضلال .

فماذا يريد الله بالناس , حين يبين لهم منهجه , ويشرع لهم سنته ?

إنه يريد أن يتوب عليهم . يريد أن يهديهم . يريد أن يجنبهم المزالق . يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة .

وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات , ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله , ولم يشرعها لعباده ?

إنهم يريدون لهم أن يميلوا ميلا عظيما عن المنهج الراشد , والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم .

وفي هذا الميدان الخاص الذي تواجهه الآيات السابقة:ميدان تنظيم الأسرة ; وتطهير المجتمع ; وتحديد الصورة النظيفة الوحيدة , التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء ; وتحريم ما عداها من الصور , وتبشيعها وتقبيحها في القلوب والعيون . . في هذا الميدان الخاص ما الذي يريده الله وما الذي يريده الذين يتبعون الشهوات ?

فأما ما يريده الله فقد بينته الآيات السابقة في السورة . وفيها إرادة التنظيم , وإرادة التطهير , وإرادة التيسير , وإرادة الخير بالجماعة المسلمة على كل حال .

وأما ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال:ديني , أو أخلاقي , أو اجتماعي . .

يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح , من أي لون كان . السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب , ولا يسكن معه عصب , ولا يطمئن معه بيت , ولا يسلم معه عرض , ولا تقوم معه أسرة . يريدون أن يعود الآدميون قطعانا من البهائم , ينزو فيها الذكران على الإناث بلا ضابط إلا ضابط القوة أو الحيلة أو مطلق الوسيلة !

كل هذا الدمار , وكل هذا الفساد , وكل هذا الشر باسم الحرية , وهي - في هذا الوضع - ليست سوى اسم آخر للشهوة والنزوة !

وهذا هو الميل العظيم الذي يحذر الله المؤمنين إياه , وهو يحذرهم ما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات . وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي , الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف . وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة والأجهزة الموجهة لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع دون الانطلاق البهيمي , الذي لا عاصم منه , إلا منهج الله , حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض إن شاء الله . (( الظلال ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت