110 -إنَّ حُرْمَةَ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ هِيَ الْأَصْلُ , فَإِذَا عَرَضَ مَا يُخْرِجُهَا عَنْ الْحُرْمَةِ لَمْ تَكُنْ حَرَامًا , وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا . ( أَوَّلًا ) قوله تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } . فَإِذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ يُبِيحُ كَلِمَةَ الْكُفْرِ فَإِبَاحَتُهُ لِلْيَمِينِ الْغَمُوسِ أَوْلَى . ( ثَانِيًا ) آيَاتُ الِاضْطِرَارِ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَمَا شَاكَلَهَا , كَقَوْلِ تَعَالَى: { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . فَإِذَا أَبَاحَتْ الضَّرُورَةُ تَنَاوُلَ الْمُحَرَّمَاتِ أَبَاحَتْ النُّطْقَ بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ . 111 - وَإِلَيْك نُصُوصَ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ فِي بَيَانِ مَا تَخْرُجُ بِهِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ عَنْ الْحُرْمَةِ . ( أ ) قَالَ الدَّرْدِيرُ فِي أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ وَشَرْحِهِ , وَالصَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ مَا خُلَاصَتُهُ: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ وَلَوْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِهَا , وَلَا عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى فِعْلِ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ . وَنُدِبَ أَوْ وَجَبَ الْحَلِفُ لِيَسْلَمَ الْغَيْرُ مِنْ الْقَتْلِ بِحَلِفِهِ وَإِنْ حَنِثَ هُوَ , وَذَلِكَ فِيمَا إذَا قَالَ ظَالِمٌ: إنْ لَمْ تُطَلِّقْ زَوْجَتَك , أَوْ إنْ لَمْ تَحْلِفْ بِالطَّلَاقِ قَتَلْت فُلَانًا , قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ , أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ , وَمِثْلُ الطَّلَاقِ: النِّكَاحُ وَالْإِقْرَارُ وَالْيَمِينُ . ( ب ) قَالَ النَّوَوِيُّ: الْكَذِبُ وَاجِبٌ إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ وَاجِبًا , فَإِذَا اخْتَفَى مُسْلِمٌ مِنْ ظَالِمٍ , وَسَأَلَ عَنْهُ وَجَبَ الْكَذِبُ بِإِخْفَائِهِ , وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ وَدِيعَةٌ , وَسَأَلَ عَنْهَا ظَالِمٌ يُرِيدُ أَخْذَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ بِإِخْفَائِهَا , حَتَّى لَوْ أَخْبَرَهُ بِوَدِيعَةٍ عِنْدَهُ فَأَخَذَهَا الظَّالِمُ قَهْرًا وَجَبَ ضَمَانُهَا عَلَى الْمُودِعِ الْمُخْبِرِ , وَلَوْ اسْتَحْلَفَهُ عَلَيْهَا لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ , وَيُوَرِّيَ فِي يَمِينِهِ , فَإِنْ حَلَفَ وَلَمْ يُوَرِّ حَنِثَ عَلَى الْأَصْلِ وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ . ( ج ) وَقَالَ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ: مِنْ الْأَيْمَانِ مَا هِيَ وَاجِبَةٌ , وَهِيَ الَّتِي يُنَجِّي بِهَا إنْسَانًا مَعْصُومًا مِنْ هَلَكَةٍ , كَمَا رُوِيَ عَنْ سُوَيْد بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ {: خَرَجْنَا نُرِيدُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ , فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ , فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا , فَحَلَفْت أَنَا: أَنَّهُ أَخِي , فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقْت , الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ } فَهَذَا وَمِثْلُهُ وَاجِبٌ ; لِأَنَّ إنْجَاءَ الْمَعْصُومِ وَاجِبٌ , وَقَدْ تَعَيَّنَ فِي الْيَمِينِ فَيَجِبُ , وَكَذَلِكَ إنْجَاءُ نَفْسِهِ , مِثْلُ: أَنْ تَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَيْهِ وَهُوَ بَرِيءٌ