فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 1037

123 -أَمَّا مَعْنَاهُ فَهُوَ: مُخَالَفَةُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ بِثُبُوتِ مَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ , أَوْ عَدَمِ مَا حَلَفَ عَلَى ثُبُوتِهِ . وَأَمَّا مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ , وَإِلَيْك الْبَيَانُ . الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إمَّا مَاضٍ أَوْ حَاضِرٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ . 124 - أَمَّا الْمَاضِي: فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ مَعْقُودَةً أَصْلًا , فَلَا حِنْثَ فِيهَا بِالْكَذِبِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً . وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فَيَعْتَبِرُونَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ مَعْقُودَةً إذَا كَانَ الْحَالِفُ كَاذِبًا عَمْدًا , وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْحِنْثُ مُقَارِنًا لِلِانْعِقَادِ , وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ مِنْ حِينِ تَمَامِ الْإِتْيَانِ بِهَا . 125 - وَأَمَّا الْحَاضِرُ: فَهُوَ كَالْمَاضِي , إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ مُتَّفِقُونَ مَعَ الْفَرِيقِ الثَّانِي الْقَائِلِ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْحَالِفُ كَاذِبًا عَمْدًا , ثُمَّ إنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فَضَمُّوا إلَى الْكَذِبِ الْعَمْدِ مَا تَرَدَّدَ فِيهِ الْمُتَكَلِّمُ , بِأَنْ حَلَفَ عَلَى مَا يَظُنُّهُ ظَنًّا ضَعِيفًا , أَوْ يَشُكُّ فِيهِ , أَوْ يَظُنُّ نَقِيضَهُ ظَنًّا ضَعِيفًا , وَسَبَقَ ذَلِكَ فِي تَعْرِيفِ الْغَمُوسِ وَحُكْمِهَا . 126 - وَأَمَّا الْمُسْتَقْبَلُ: فَالْيَمِينُ عَلَيْهِ إنْ وُجِدَتْ فِيهَا شَرَائِطُ الِانْعِقَادِ , فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ , وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا مُطْلَقٌ وَإِمَّا مُقَيَّدٌ بِوَقْتٍ . أَمَّا الْيَمِينُ عَلَى النَّفْيِ الْمُطْلَقِ: فَالْحِنْثُ فِيهَا يَتَحَقَّقُ بِثُبُوتِ مَا حَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ , سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ عَقِبَ الْيَمِينِ أَمْ بَعْدَهُ بِزَمَانٍ قَصِيرٍ أَوْ طَوِيلٍ , وَهَلْ يَمْنَعُ الْحِنْثَ نِسْيَانٌ أَوْ خَطَأٌ فِي الِاعْتِقَادِ , أَوْ خَطَأٌ لِسَانِيٌّ أَوْ جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ أَوْ إكْرَاهٌ ؟ وَهَلْ يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ذَا أَجْزَاءٍ أَوْ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْجَمِيعِ ؟ كُلُّ ذَلِكَ مَحَلُّ خِلَافٍ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي شَرَائِطِ الْحِنْثِ . 127 - وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى النَّفْيِ الْمُؤَقَّتِ: فَالْحِنْثُ فِيهَا يَتَحَقَّقُ بِحُصُولِ الضِّدِّ فِي الْوَقْتِ , لَا بِحُصُولِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَ تَمَامِهِ . وَفِي النِّسْيَانِ وَنَحْوِهِ الْخِلَافُ الَّذِي سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ . 128 - وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْإِثْبَاتِ الْمُطْلَقِ: فَالْحِنْثُ فِيهَا يَتَحَقَّقُ بِالْيَأْسِ مِنْ الْبِرِّ , إمَّا بِمَوْتِ الْحَالِفِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ , وَإِمَّا بِفَوْتِ مَحَلِّ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ , كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَلْبَسَنَّ هَذَا الثَّوْبَ , فَأَحْرَقَهُ هُوَ أَوْ غَيْرَهُ . هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ , وَفَصَّلَ غَيْرُهُمْ فِي فَوْتِ الْمَحَلِّ بَيْنَ مَا كَانَ بِاخْتِيَارِ الْحَالِفِ وَمَا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ , فَمَا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ يَحْنَثُ بِهِ , وَمَا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُعْلَمُ مِنْ شَرَائِطِ الْحِنْثِ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الْحِنْثَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ - وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى الْإِثْبَاتِ الْمُطْلَقِ - يَحْصُلُ أَيْضًا بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ , وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْوِيَ عَدَمَ الْإِتْيَانِ بِالْمَحْلُوفِ مَا دَامَ حَيًّا , وَهَذَا الْحِنْثُ مُحَتَّمٌ لَا يَزُولُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْعَزْمِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيِّ , وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالدَّرْدِيرِ فِي أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ وَاعْتَمَدَهُ الْبُنَانِيُّ , خِلَافًا لِلْقَائِلِينَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ , حَيْثُ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى الْإِثْبَاتِ الْمُطْلَقِ يَحْنَثُ فِيهِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْفَوَاتِ , وَالْحَلِفَ بِالْعِتْقِ وَبِالْقُرْبَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِهَا بِالْعَزْمِ الْمَذْكُورِ إلَّا إذَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ , فَإِنْ رَجَعَ عَنْ عَزْمِهِ رَجَعَتْ الْيَمِينُ كَمَا كَانَتْ , وَلَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْفَوَاتِ . وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ لَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى . 129 - وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْإِثْبَاتِ الْمُؤَقَّتِ: فَالْحِنْثُ فِيهَا يَتَحَقَّقُ بِالْيَأْسِ مِنْ الْبِرِّ فِي الْوَقْتِ , إنْ كَانَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ , كَأَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَآكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ الْيَوْمَ , فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ حَيٌّ وَالرَّغِيفُ مَوْجُودٌ وَلَمْ يَأْكُلْهُ . وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ فِي الْوَقْتِ وَلَمْ يَفُتْ مَحَلُّ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يُعْتَبَرْ حَانِثًا بِالْمَوْتِ وَلَا بِمُضِيِّ الْوَقْتِ بَعْدَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَمِيعًا ; لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَقَعُ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ فِي الْيَمِينِ الْمُؤَقَّتَةِ , وَالْحَالِفُ مَيِّتٌ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت