فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 1037

وَمَنْ قَالَ: بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَلا بُدَّ، دُونَ ذِكْرِ اسْتِتَابَةٍ أَوْ قَبُولِهَا:

كَمَا أَوْرَدْنَا عَنْ مُعَاذٍ , وَأَبِي مُوسَى , وَأَنَسٍ , وَابْنِ عَبَّاسٍ , وَمَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِالِاسْتِتَابَةِ أَبَدًا وَإِيدَاعِ السِّجْنِ فَقَطْ: كَمَا قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِمَّا قَدْ أَوْرَدْنَا قَبْلُ , وَوُجُوبُ الْقِتَالِ: هُوَ حُكْمٌ آخَرُ غَيْرُ وُجُوبِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ , فَإِنَّ قِتَالَ مَنْ بَغَى عَلَى الْمُسْلِمِ , أَوْ مَنَعَ حَقًّا قِبَلَهُ , وَحَارَبَ دُونَهُ: فَرْضٌ وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ - وَلَا حُجَّةَ فِي قِتَالِ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - أَهْلَ الرِّدَّةِ , لِأَنَّهُ حَقٌّ بِلَا شَكٍّ , وَلَمْ نُخَالِفْكُمْ فِي هَذَا , وَلَا يَصِحُّ - أَصْلًا - عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ ظَفِرَ بِمُرْتَدٍّ عَنْ الْإِسْلَامِ غَيْرِ مُمْتَنِعٍ بِاسْتِتَابَةٍ , فَتَابَ , فَتَرَكَهُ , أَوْ لَمْ يَتُبْ فَقَتَلَهُ - هَذَا مَا لَا يَجِدُونَهُ . وَأَمَّا مَنْ بَدَّلَ كُفْرًا بِكُفْرٍ آخَرَ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ: أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ , وَأَبُو سُلَيْمَانَ , وَأَصْحَابُهُمَا: لَا يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا . ثُمَّ اخْتَلَفُوا - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يُنْبَذُ إلَيْهِ عَهْدُهُ , وَيُخْرَجُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ , فَإِنْ ظُفِرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَمَرَّةً قَالَ: إنْ رَجَعَ إلَى دِينِهِ الْكِتَابِيِّ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ أُقِرَّ عَلَى حُرِّيَّتِهِ وَتُرِكَ . وَمَرَّةً قَالَ: لَا يُتْرَكُ بَلْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ . وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا - إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ إلْحَاقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ , بَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَّا قُتِلَ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ: إنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ , يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } وَأَمْرِهِ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ مُخَاطِبًا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } , إلَى آخِرِ السُّورَةِ . قَالُوا: فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْكُفْرَ كُلَّهُ دِينًا وَاحِدًا . قَالُوا: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا يَمْنَعُ مِنْ إكْرَاهِهِ عَلَى تَرْكِ كُفْرِهِ . قَالُوا: وَلَا يَخْلُو إذَا أُجْبِرَ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ , وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى دِينِهِ الَّذِي خَرَجَ عَنْهُ - كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - أَوْ يُجْبَرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ , كَمَا قَالَ هُوَ فِي قَوْلِهِ الثَّانِي , وَأَصْحَابُكُمْ , فَإِنْ أُجْبِرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى دِينِهِ فَقَدْ أُجْبِرَ عَلَى اعْتِقَادِ الْكُفْرِ , وَعَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْكُفْرِ . قَالُوا: وَاعْتِقَادُ جَوَازِ هَذَا كُفْرٌ ؟ قَالُوا: إنْ أُكْرِهَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ , فَهُوَ كَافِرٌ , وَهُمْ كُفَّارٌ , وَلَا فَرْقَ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَهَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ مِنْ النُّصُوصِ , إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: أَرَأَيْت مَنْ أَحْدَثَ فِي نَصْرَانِيَّةٍ , أَوْ يَهُودِيَّةٍ , أَوْ مَجُوسِيَّةٍ: رَأْيًا لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ جُمْلَتِهِمْ أَتُجْبِرُونَهُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ الرَّأْيِ وَالرُّجُوعِ إلَى جُمْلَتِهِمْ , أَوْ إلَى الْإِسْلَامِ ؟ وَأَرَأَيْتُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَلْكَانِيَّةٍ إلَى نُسْطُورِيَّةٍ , أَوْ يَعْقُوبِيَّةٍ , أَوْ قَادُونِيَّةٍ , أَوْ مَعْدُونِيَّةٍ , فَدَانَ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ , وَأَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ , وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ؟ أَتُجْبِرُونَهُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى التَّثْلِيثِ , أَوْ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ؟ وَكَذَلِكَ مَنْ خَرَجَ مِنْ رَبَّانِيَّةٍ إلَى عَامَانِيَّةٍ , أَوْ إلَى عِيسَوِيَّةٍ , أَتُجْبِرُونَهُ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلَى الْكُفْرِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ التَّشْنِيعِ وَكُلُّ هَذَا عَائِدٌ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } فَحَقٌّ , وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَقَطْ , وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمُ إقْرَارِهِمْ , وَلَا حُكْمُ قَتْلِهِمْ , وَلَا حُكْمُ مَا يُفْعَلُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمْ أَصْلًا . وَكَذَلِكَ قوله تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت