الْكَافِرُونَ إلَى آخِرِهَا لَيْسَ فِيهَا أَيْضًا إلَّا أَنَّنَا مُبَايِنُونَ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ فِي الْعِبَادَةِ , وَالدِّينِ , وَلَيْسَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِمْ , لَا مِنْ إقْرَارِهِمْ وَلَا مِنْ تَرْكِ إقْرَارِهِمْ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لَنَا { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } فَمَنْ تَوَلَّاهُمْ مِنَّا فَهُوَ مِنْهُمْ , كَمَا قَالَ تَعَالَى إنَّ { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } . فَهَلَّا تَرَكُوا الْمُرْتَدَّ إلَيْهِمْ مِنَّا عَلَى رِدَّتِهِ ؟ بِإِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْهُمْ , فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةً فِي إقْرَارِ الْمُرْتَدِّ مِنَّا إلَيْهِمْ عَلَى ذَلِكَ , ذَانِكَ النَّصَّانِ لَيْسَا بِحُجَّةٍ فِيمَا أَرَادُوا التَّمْوِيهَ بِإِيرَادِهِمَا مِنْ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُمْ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ , لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا ; لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى إكْرَاهِ الْمُرْتَدِّ عَنْ دِينِهِ , فَمِنْ قَائِلٍ: يُكْرَهُ وَلَا يُقْتَلُ , وَمِنْ قَائِلٍ , يُكْرَهُ وَيُقْتَلُ . فَإِنْ قَالُوا: خَرَجَ الْمُرْتَدُّ مِنَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمْ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ بِدَلِيلٍ آخَرَ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ , وَإِلَّا فَهُوَ كَمَا قُلْتُمْ , وَإِنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ } فِي أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَشَيْءٌ وَاحِدٌ: هُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَضَ الِاحْتِجَاجَ وَخَالَفَهُ , وَفَرَّقُوا بَيْنَ أَحْكَامِ أَهْلِ الْكُفْرِ , فَكُلُّهُمْ مُجْمِعٌ مَعَنَا عَلَى: أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ مَنْ تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ , وَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ , وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ , وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يَخْلُو مَنْ أُجْبِرَ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْكُفْرِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ , وَإِمَّا أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ ؟ فَنَعَمْ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِهِمَا - وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ: فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَا بُدَّ , وَلَا يُتْرَكُ يَرْجِعُ إلَى الدِّينِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا ؟ فَجَوَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقُمْ بُرْهَانٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ إجْبَارِهِ , وَإِلَّا فَهُوَ قَوْلُكُمْ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنْ خَرَجَ مِنْ فِرْقَةٍ مِنْ النَّصَارَى إلَى فِرْقَةٍ أُخْرَى فَإِنَّنَا لَا نَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ بَعْدُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . فَبَقِيَ الْآنَ الْكَلَامُ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فَوَجَدْنَا النَّاسَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ , وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ . فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ , فَيَحْتَجُّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْبَلْ مِنْ الْوَثَنِيِّينَ ؟ فَيُقَالُ لَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - لَمْ يَخْتَلِفْ مُسْلِمَانِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْبَلْ مِنْ الْوَثَنِيِّينَ مِنْ الْعَرَبِ إلَّا الْإِسْلَامَ أَوْ السَّيْفَ - إلَى أَنْ مَاتَ عليه السلام - فَهُوَ إكْرَاهٌ فِي الدِّينِ , فَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَخْصُوصَةٌ , فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى خَاصَّةً , كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِعَجُوزٍ نَصْرَانِيَّةٍ: أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ أَسْلِمِي تَسْلَمِي , إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إلَيْنَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ ؟ فَقَالَتْ الْعَجُوزُ: وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ وَأَمُوتُ إلَى قَرِيبٍ ؟ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ , لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ . وَبِمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إنْ عَاشَ وَلَدُهَا تُهَوِّدُهُ , فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ , فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } . فَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ إلَى أَنْ مَاتَ عليه السلام حَتَّى أَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ . وَصَحَّ عَنْهُ