فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 1037

الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِعُمُومِ الْبَلْوَى: بَنَى الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ عَلَى عُمُومِ الْبَلْوَى أَحْكَامًا فِقْهِيَّةً وَأُصُولِيَّةً فِي مُخْتَلَفِ الْأَبْوَابِ وَالْمَسَائِلِ مِنْهَا مَا يَلِي: أَوَّلًا: الْأَحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ:

2 -مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ , وَإِذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } وَقَالَ صلى الله عليه وسلم { بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ } وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتُهُ . وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَسْبَابَ التَّخْفِيفِ مِنْ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَالْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ وَالْعُسْرِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى وَنَحْوِهَا , وَبَيَّنُوا أَثَرَهَا فِي مُخْتَلَفِ الْأَحْكَامِ وَالْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ . وَمِنْ الرُّخَصِ الَّتِي شُرِعَتْ بِسَبَبِ الْعُسْرِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ وَابْنُ نُجَيْمٍ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا , كَدَمِ الْقُرُوحِ وَالدَّمَامِلِ وَالْبَرَاغِيثِ , وَطِينِ الشَّارِعِ وَذَرْقِ الطُّيُورِ إذَا عَمَّ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَطَافِ , وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ , وَأَثَرِ نَجَاسَةٍ عَسُرَ زَوَالُهُ , وَالْعَفْوُ عَنْ غُبَارِ السِّرْقِينِ وَقَلِيلِ الدُّخَانِ النَّجَسِ وَأَمْثَالِهَا , وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُفَصَّلَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ بَوْلِ الشَّخْصِ أَوْ بَوْلِ غَيْرِهِ الَّذِي انْتَضَحَ عَلَى ثِيَابِهِ كَرُءُوسِ إبَرٍ , قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْعِلَّةُ الضَّرُورَةُ قِيَاسًا عَلَى مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مِمَّا عَلَى أَرْجُلِ الذُّبَابِ , فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى النَّجَاسَةِ ثُمَّ يَقَعُ عَلَى الثِّيَابِ , وَمِثْلُهُ الدَّمُ عَلَى ثِيَابِ الْقَصَّابِ , فَإِنَّ فِي التَّحَرُّزِ عَنْهُ حَرَجًا ظَاهِرًا . 3 - وَمِنْ الْأَحْكَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى عُمُومِ الْبَلْوَى طَهَارَةُ الْخُفِّ وَالنَّعْلِ بِالدَّلْكِ عَلَى الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ , كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ , قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ: وَيَطْهُرُ خُفٌّ وَنَحْوُهُ , كَنَعْلٍ تَنَجَّسَ بِذِي جُرْمٍ بِدَلْكٍ , قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَإِنْ كَانَ رَطْبًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ . وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ , وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِعُمُومِ الْبَلْوَى . وَلِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد: { إذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ , فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ , وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا } . 4 - وَذَكَرَ السُّيُوطِيّ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى عُمُومِ الْبَلْوَى فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ: جَوَازُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَمَالِ الْغَيْرِ مَعَ ضَمَانِ الضَّرَرِ إذَا اُضْطُرَّ . وَأَكْلِ الْوَلِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ عَمَلِهِ إذَا احْتَاجَ , وَمَشْرُوعِيَّةُ الرَّدِّ بِالْخِيَارَاتِ فِي الْبَيْعِ . وَكَذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ ( غَيْرِ اللَّازِمَةِ ) لِأَنَّ لُزُومَهَا يَشُقُّ , كَمَا ذَكَرَ مِنْهَا إبَاحَةَ النَّظَرِ لِلْخُطْبَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْإِشْهَادِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالْمُعَالَجَةِ وَنَحْوِهَا . وَلِتَفْصِيلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَأَمْثَالِهَا يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: ( تَيْسِيرٍ ف 48 وَمَا بَعْدَهَا , وَحَاجَةٌ ف 24 وَمَا بَعْدَهَا ) . 5 - وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ جَوَازِ عَقْدِ الِاسْتِصْنَاعِ - وَهُوَ عَقْدُ مُقَاوَلَةٍ مَعَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ شَيْئًا - مَعَ أَنَّهُ يُخَالِفُ الْقَوَاعِدَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَعْدُومِ ; إلَّا أَنَّهُ أُجِيزَ لِلْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ إلَيْهِ وَفِي مَنْعِهِ مَشَقَّةٌ وَإِحْرَاجٌ . وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي بَنَاهَا الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عُمُومِ الْبَلْوَى جَوَازُ إجَارَةِ الْقَنَاةِ وَالنَّهَرِ مَعَ الْمَاءِ , قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: جَازَ إجَارَةُ الْقَنَاةِ وَالنَّهَرِ أَيْ مَجْرَى الْمَاءِ مَعَ الْمَاءِ تَبَعًا , بِهِ يُفْتَى لِعُمُومِ الْبَلْوَى . لَكِنَّ الْمَشَقَّةَ وَالْحَرَجَ إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا نَصَّ فِيهِ , وَكَذَلِكَ الْبَلْوَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ , قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: لَا اعْتِبَارَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْبَلْوَى فِي مَوْضِعِ النَّصِّ , كَمَا فِي بَوْلِ الْآدَمِيِّ , فَإِنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَعَمُّ . قَتْلٌ بِسَبَبٍ التَّعْرِيفُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت