فَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ , أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَتَبَ وَصِيَّتَهُ , وَخَتَمَ عَلَيْهَا , وَقَالَ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ . لَا يَجُوزُ حَتَّى يَسْمَعُوا مِنْهُ مَا فِيهِ , أَوْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ فَيُقِرَّ بِمَا فِيهِ . وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى . وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ جَوَازَهُ ; لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ خَطُّهُ الْمُجَرَّدُ , فَهَذَا أَوْلَى وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى , وَمَكْحُولٌ , وَنُمَيْرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ , وَمَالِكٌ , وَاللَّيْثُ , وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ , وَأَبُو عُبَيْدٍ , وَإِسْحَاقُ . وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ بِكُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى عُمَّالِهِ وَأُمَرَائِهِ , فِي أَمْرِ وِلَايَتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَسُنَنِهِ , ثُمَّ مَا عَمِلَتْ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ بَعْدَهُ مِنْ كُتُبِهِمْ إلَى وُلَاتِهِمْ , بِالْأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا الدِّمَاءُ وَالْفُرُوجُ وَالْأَمْوَالُ , يَبْعَثُونَ بِهَا مَخْتُومَةً , لَا يَعْلَمُ حَامِلُهَا مَا فِيهَا , وَأَمْضُوهَا عَلَى وُجُوهِهَا , وَذَكَرَ اسْتِخْلَافَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ , بِكِتَابٍ , كَتَبَهُ , وَخَتَمَ عَلَيْهِ , وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ مَعَ شُهْرَتِهِ وَانْتِشَارِهِ فِي عُلَمَاءِ الْعَصْرِ , فَكَانَ إجْمَاعًا وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ كِتَابٌ لَا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ مَا فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ , كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي , فَأَمَّا مَا ثَبَتَ مِنْ الْوَصِيَّةِ , بِشَهَادَةِ أَوْ إقْرَارِ الْوَرَثَةِ بِهِ , فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ وَيُعْمَلُ بِهِ , مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهُ , وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ , وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ الْمُوصَى بِهِ , مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ فِي مَرَضٍ فَيَبْرَأَ مِنْهُ , ثُمَّ يَمُوتَ بَعْدُ أَوْ يُقْتَلَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ , فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ , كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ . ( 4693 ) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ الْمُوصِي وَصِيَّتَهُ , وَيُشْهِدَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا وَأَحْوَطُ لِمَا فِيهَا . وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ , لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ , يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ , إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ } . وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ , أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: بسم الله الرحمن الرحيم . هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانٌ , أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا , وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ , وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ , وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ , وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ , وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: { يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } . أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ , عَنْ فُضَيْلٍ بْنِ عِيَاضٍ , عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ , عَنْ ابْنِ سِيرِينَ , عَنْ أَنَسٍ . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ , أَنَّهُ كَتَبَ: بسم الله الرحمن الرحيم . هَذَا ذِكْرُ مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ , إنْ حَدَثَ بِي حَادِثُ الْمَوْتِ مِنْ مَرَضِي هَذَا , أَنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِي إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ , ثُمَّ إلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ , وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ , وَأَنَّهُمَا فِي حِلٍّ وَبَلٍّ فِيمَا وَلِيَا وَقَضَيَا , وَأَنَّهُ لَا تُزَوَّجُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ عَبْدِ اللَّهِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: بسم الله الرحمن الرحيم . هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ , أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ , وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ , وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ , وَأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَيَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ , عَلَى ذَلِكَ يَحْيَا وَيَمُوتُ , إنْ شَاءَ اللَّهُ , وَأَوْصَى فِيمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى , بِكَذَا وَكَذَا , وَأَنَّ هَذِهِ وَصِيتُهُ إنْ لَمْ يُغَيِّرْهَا .
وفي غذاء الألباب:
مَطْلَبٌ: أَذْكَارُ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ .