فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 1037

31 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّضَا أَسَاسُ الْعُقُودِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } . وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: { إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ } . وَالرِّضَا: سُرُورُ الْقَلْبِ وَطِيبُ النَّفْسِ . وَهُوَ ضِدُّ السَّخَطِ وَالْكَرَاهَةِ . وَعَرَّفَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: بِأَنَّهُ قَصْدُ الْفِعْلِ دُونَ أَنْ يَشُوبَهُ إكْرَاهٌ وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّهُ امْتِلَاءُ الِاخْتِيَارِ , أَيْ: بُلُوغُهُ نِهَايَتَهُ , بِحَيْثُ يُفْضِي أَثَرُهُ إلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْبَشَاشَةِ فِي الْوَجْهِ , أَوْ إيثَارِ الشَّيْءِ وَاسْتِحْسَانِهِ . ر: ( رِضًا ف 2 ) أَمَّا الِاخْتِيَارُ: فَهُوَ الْقَصْدُ إلَى أَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ دَاخِلٍ فِي قُدْرَةِ الْفَاعِلِ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ر: ( اخْتِيَارٌ ف 1 ) . وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إنَّ الرِّضَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعُقُودِ الَّتِي تَقْبَلُ الْفَسْخَ وَهِيَ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا , فَهِيَ لَا تَصِحُّ إلَّا مَعَ التَّرَاضِي , وَقَدْ تَنْعَقِدُ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ لَكِنَّهَا تَكُونُ فَاسِدَةً , كَمَا فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ , يَقُولُ الْمَرْغِينَانِيُّ . . . ; لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ التَّرَاضِي . فَأَصْلُ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ تَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ بِدُونِ الرِّضَا , لَكِنَّهَا لَا تَكُونُ صَحِيحَةً , فَيَنْعَقِدُ بَيْعُ الْمُخْطِئِ نَظَرًا إلَى أَصْلِ الِاخْتِيَارِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ صَدَرَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ , أَوْ بِإِقَامَةِ الْبُلُوغِ مَقَامَ الْقَصْدِ , لَكِنْ يَكُونُ فَاسِدًا لِعَدَمِ الرِّضَا حَقِيقَةً , أَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالرِّضَا لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا , فَيَصِحُّ عِنْدَهُمْ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالرَّجْعَةُ وَنَحْوُهَا حَتَّى مَعَ الْإِكْرَاهِ . أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَتَدُورُ عِبَارَاتُهُمْ بَيْنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الرِّضَا أَصْلٌ أَوْ أَسَاسٌ أَوْ شَرْطٌ لِلْعُقُودِ كُلِّهَا , فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الرِّضَا سَوَاءٌ أَكَانَ مَالِيًّا أَوْ غَيْرَ مَالِيٍّ . ر: ( رِضًا ف 13 )

عُيُوبُ الرِّضَا :

32 -ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي عُيُوبِ الرِّضَا: الْإِكْرَاهَ وَالْجَهْلَ , وَالْغَلَطَ , وَالتَّدْلِيسَ , وَالْغَبْنَ , وَالتَّغْرِيرَ , وَالْهَزْلَ , وَالْخِلَابَةَ , وَنَحْوَهَا , فَإِذَا وُجِدَ عَيْبٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ فِي عَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا أَوْ فَاسِدًا فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَفِيَّةِ أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ يَكُونُ لِكِلَا الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ فِي حَالَاتٍ أُخْرَى . وَتَعْرِيفُ هَذِهِ الْعُيُوبِ وَتَفْصِيلُ أَحْكَامِهَا وَأَثَرِهَا عَلَى الرِّضَا وَخِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا مِنْ الْمَوْسُوعَةِ .

سَادِسًا: الْعَقْدُ الصَّحِيحُ , وَالْبَاطِلُ , وَالْفَاسِدُ .

51 -ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الْعَقْدَ بِاعْتِبَارِ إقْرَارِ الشَّرْعِ لَهُ وَتَرْتِيبِ آثَارِهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: الْعَقْدِ الصَّحِيحِ , وَالْعَقْدِ غَيْرِ الصَّحِيحِ . فَالْعَقْدُ الصَّحِيحُ: هُوَ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ مَعًا , بِحَيْثُ يَكُونُ مُسْتَجْمِعًا لِأَرْكَانِهِ وَأَوْصَافِهِ , فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ , كَبَيْعِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْمَالَ الْمُتَقَوِّمَ الْمَوْجُودَ الْقَابِلَ لِلتَّسْلِيمِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ مُعْتَبَرَيْنِ شَرْعًا , فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنْ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَنَقْلِ مِلْكِيَّةِ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ , وَكَالْإِجَارَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مَوْجُودَةٍ انْتِفَاعًا مَشْرُوعًا , فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرُهَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا مِنْ نَقْلِ الِانْتِفَاعِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْأُجْرَةِ إلَى الْمُؤَجِّرِ , وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ إذَا لَمْ يَقَعْ خَلَلٌ فِي أَرْكَانِهَا أَوْ شُرُوطِهَا . وَالْعَقْدُ غَيْرُ الصَّحِيحِ: هُوَ مَا لَا يَعْتَبِرُهُ الشَّرْعُ , وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ . أَوْ هُوَ: مَا لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلًا وَوَصْفًا , أَوْ يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلًا لَكِنْ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا وَصْفًا , مِثَالُ الْأَوَّلِ: عَقْدُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ , أَوْ الْعَقْدُ عَلَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَكُلِّ مَا لَا يُعْتَبَرُ مَالًا , وَمِثَالُ الثَّانِي: الْعَقْدُ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ , وَالْعَقْدُ عَلَى مَحَلٍّ مَجْهُولٍ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ . وَقَدْ قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ الْعَقْدَ غَيْرَ الصَّحِيحِ إلَى: عَقْدٍ بَاطِلٍ وَعَقْدٍ فَاسِدٍ . وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: ( بُطْلَانٌ , فَسَادٌ )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت