صَحِيحًا وَمُنْعَقِدًا - مَعَ تَوَفُّرِ الشُّرُوطِ الْأُخْرَى - وَإِذَا انْعَدَمَ الِاخْتِيَارُ انْعَدَمَ الْعَقْدُ وَأَصْبَحَ بَاطِلًا , وَأَمَّا إذَا وُجِدَ الِاخْتِيَارُ وَانْعَدَمَ الرِّضَا فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ فَاسِدًا . وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَاشْتَرَطُوا وُجُودَ الرِّضَا - أَيْ الِاخْتِيَارِ - فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ , إلَّا إذَا دَلَّ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي عَقْدٍ خَاصٍّ , مِثْلُ الْهَزْلِ فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ . 12 - ثُمَّ إنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ فَرَّقُوا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: 1 - الْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِمَّنْ لَهُ الْأَهْلِيَّةُ , وَالْمَوْضُوعَةُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَرْتِيبِ الْآثَارِ , كَبِعْتُ , وَطَلَّقْت . 2 - قَصْدِ الْعِبَارَةِ دُونَ قَصْدِ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا , وَهُوَ الِاخْتِيَارُ . 3 - قَصْدِ الْعِبَارَةِ وَالْأَثَرِ , وَهُوَ الرِّضَا . فَالْأَوَّلُ هُوَ رُكْنٌ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ وَالْعُقُودِ , أَوْ شَرْطٌ لِانْعِقَادِهَا , وَالثَّانِي شَرْطٌ لِانْعِقَادِ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ , وَلَيْسَ شَرْطًا لِلْعُقُودِ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا الْجِدُّ وَالْهَزْلُ كَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا , وَلِذَلِكَ يَقَعُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ , وَالْمُكْرَهِ , وَالسَّاهِي عِنْدَهُمْ , وَالِاخْتِيَارُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِي الْإِكْرَاهَ , بَلْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ , وَلِذَلِكَ تَنْعَقِدُ عُقُودُ الْمُكْرَهِ الْمَالِيَّةُ , وَلَكِنَّهَا لَا تَكُونُ صَحِيحَةً نَافِذَةَ الْعُقُودِ ; لِكَوْنِهَا تَحْتَاجُ إلَى شَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ الرِّضَا . وَأَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ , وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ الْمَالِيَّةِ إطْلَاقًا . وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ , فَجَعَلُوا الْعِبَارَةَ هِيَ الْوَسِيلَةَ , وَإِنَّمَا الْأَسَاسُ هُوَ الْقَصْدُ , وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالرِّضَا وَالِاخْتِيَارِ , سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ أَمْ غَيْرِ الْمَالِيَّةِ , يَقُولُ الشَّاطِبِيُّ: فَالْعَمَلُ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَصْدُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ , وَإِذَا عُرِّيَ عَنْ الْقَصْدِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا". وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَدَارُ الْعُقُودِ عَلَى الْعُزُومِ وَالْقُصُودِ". وَيَقُولُ الْغَزَالِيُّ وَالنَّوَوِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ - أَيْ مِنْ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ - الْقَصْدُ إلَى لَفْظِ الطَّلَاقِ وَمَعْنَاهُ"وَلِذَلِكَ لَا يَقَعُ عِنْدَهُمْ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْطِئِ وَالسَّاهِي وَالْغَافِلِ وَنَحْوِهِمْ . وَأَمَّا الْخِلَافُ فِيمَا بَيْنَ الْجُمْهُورِ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ فَيَعُودُ فِي الْوَاقِعِ إلَى مَدَى النَّظْرَةِ إلَى عِقَابِهِ وَرَدْعِهِ , وَلِذَلِكَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ بِالْإِجْمَاعِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِسُكْرِهِ , وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي السَّكْرَانِ بِتَعَدٍّ , حَيْثُ نَظَرَ الَّذِينَ أَوْقَعُوا طَلَاقَهُ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِهِ رَادِعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ , أَوْ يُكَيَّفُ فِقْهِيًّا بِأَنَّ رِضَاهُ بِتَنَاوُلِ الْمُسْكِرِ الَّذِي يَعْلَمُ بِأَنَّ عَقْلَهُ سَيَغِيبُ بِهِ رِضًا بِالنَّتَائِجِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ . وَكَمَا يُشْتَرَطُ فِي تَحَقُّقِ الرِّضَا قَصْدُ الْعِبَارَةِ - أَوْ التَّعْبِيرُ عَنْهُ - فَلَا بُدَّ كَذَلِكَ مِنْ قَصْدِ الْآثَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ , فَالْمُكْرَهُ مَثَلًا قَصَدَ الْعِبَارَةَ مِثْلَ بِعْت لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ انْتِقَالَ الْمِلْكِيَّةِ , وَإِنَّمَا تَنْفِيذُ مَا هَدَّدَهُ الْمُكْرِهُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - وَكَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ قَصْدُ الْآثَارِ إلَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِهَا فِي الْجُمْلَةِ , فَلَوْ رَدَّدَ شَخْصٌ وَرَاءَ آخَرَ"بِعْت"أَوْ"قَبِلْت"وَلَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ , لَمْ يَتِمَّ الْقَصْدُ , يَقُولُ الْغَزَالِيُّ: وَلَكِنَّ شَرْطَهُ - أَيْ الْقَصْدِ - الْإِحَاطَةُ بِصِفَاتِ الْمَقْصُودِ". وَيَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ - أَيْ الْعَاقِدُ - عَالِمًا بِمَعْنَاهَا - أَيْ الْعِبَارَةِ , وَلَا مَقْصُودًا لَهُ لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا أَيْضًا , وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ"."
( الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ ) :