أَيْضًا . 3 - اخْتِيَارٌ فَاسِدٌ , وَهُوَ مَا إذَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى إرَادَةِ شَخْصٍ آخَرَ , أَيْ أَنْ يَتِمَّ فِي ظِلِّ إكْرَاهٍ مُلْجِئٍ , وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الرِّضَا مَعْدُومًا . فَالْإِكْرَاهُ فِي نَظَرِ الْحَنَفِيَّةِ لَا يُنَافِي الِاخْتِيَارَ حَيْثُ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا مَعَ الْإِكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ , وَيَكُونُ فَاسِدًا مَعَ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ , وَلَكِنْ الْإِكْرَاهُ بِقِسْمَيْهِ يُنَافِي الرِّضَا . 9 - وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ لَهَا عَلَاقَةٌ - كَقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ - بِتَقْسِيمِهِمْ الْعُقُودَ إلَى الصَّحِيحِ , وَالْبَاطِلِ , وَالْفَاسِدِ . وَتَتَلَخَّصُ وُجْهَةُ نَظَرِ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ التَّفْرِقَةِ فِي أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لِكُلٍّ مِنْ الِاخْتِيَارِ وَالرِّضَا مُخْتَلِفٌ , فَالرِّضَا هُوَ ضِدُّ السَّخَطِ , وَسُرُورُ الْقَلْبِ وَارْتِيَاحُ النَّفْسِ بِحَيْثُ تَظْهَرُ آثَارُهُ عَلَى الْوَجْهِ , وَأَمَّا الِاخْتِيَارُ فَلَا تُلَاحِظُ فِيهِ هَذِهِ الْمَعَانِيَ , بِالْإِضَافَةِ إلَى أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَ التَّصَرُّفَاتِ , حَيْثُ اشْتَرَطَ الرِّضَا فِي الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ , فَقَالَ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } فِي حِينِ لَمْ يَشْتَرِطْ الرِّضَا فِي بَعْضِ تَصَرُّفَاتٍ غَيْرِ مَالِيَّةٍ , مِثْلِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ , فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ , وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ , وَالنِّكَاحُ , وَالرَّجْعَةُ } وَمِنْ الْمَعْلُومِ بَدَاهَةً أَنَّ الرِّضَا بِآثَارِ الْعَقْدِ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الْهَزْلِ , مَعَ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ , وَعَلَى ضَوْءِ ذَلِكَ قَسَّمُوا الْعُقُودَ فَجَعَلُوا بَعْضَهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الرِّضَا وَهِيَ الْعُقُودُ الَّتِي سَمَّوْهَا بِالْعُقُودِ غَيْرِ الْقَابِلَةِ لِلْفَسْخِ , وَهِيَ النِّكَاحُ , وَالطَّلَاقُ , وَالرَّجْعَةُ . وَاشْتَرَطُوا فِي بَعْضِهَا الرِّضَا , وَهِيَ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ , ثُمَّ جَعَلُوا الِاخْتِيَارَ أَسَاسًا لِجَمِيعِ الْعُقُودِ . 10 - وَلَمْ يَعْتَرِفْ الْجُمْهُورُ بِهَذَا التَّقْسِيمِ الثُّلَاثِيِّ لِلِاخْتِيَارِ , حَيْثُ هُوَ مَحْصُورٌ عِنْدَهُمْ فِي الصَّحِيحِ وَالْبَاطِلِ , كَمَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ عِنْدَهُمْ يُنَافِي الِاخْتِيَارَ كَمَا يُنَافِي الرِّضَا , قَالَ الشَّاطِبِيُّ: فَالْعَمَلُ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَصْدُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ , وَإِذَا عُرِّيَ عَنْ الْقَصْدِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا . فَلَوْ فَرَضْنَا الْعَمَلَ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ كَالْمُلْجَأِ , وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ . . فَلَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِمْ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ , فَلَيْسَ هَذَا النَّمَطُ بِمَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ , فَبَقِيَ مَا كَانَ مَفْعُولًا بِالِاخْتِيَارِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَصْدٍ". وَصَرَّحَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ لَا يَقَعُ ; لِأَنَّهُ سَاقِطُ الِاخْتِيَارِ , وَنَقَلَ ابْنُ النَّجَّارِ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلَهُ: إنَّ الْإِكْرَاهَ يُزِيلُ الِاخْتِيَارَ". آثَارُ هَذَا الِاخْتِلَافِ: 11 - لَمْ يَكُنْ هَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ لَفْظِيًّا لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْآثَارُ , وَإِنَّمَا خِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ ثَبَتَ عَلَيْهِ آثَارٌ فِقْهِيَّةٌ تَظْهَرُ فِي تَصَرُّفَاتِ وَعُقُودِ الْهَازِلِ , وَالْمُكْرَهِ , وَالْمُخْطِئِ , وَالسَّكْرَانِ , وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ , حَيْثُ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى صِحَّةِ الْعُقُودِ غَيْرِ الْمَالِيَّةِ مِنْ هَؤُلَاءِ , فَطَلَاقُ هَؤُلَاءِ , وَنِكَاحُهُمْ وَرَجْعَتُهُمْ وَنَحْوُهَا صَحِيحٌ - كَقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ - اعْتِمَادًا عَلَى أَصْلِ الْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ , وَوُجُودِ الْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُمْ , فَلَوْ أَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: يَا عَالِمَةُ , فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَقَدْ وَقَعَ طَلَاقُهُ عِنْدَهُمْ , وَعَلَّلَ ذَلِكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيُّ الْحَنَفِيُّ بِقَوْلِهِ: اعْتِبَارًا بِأَنَّ الْقَصْدَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ , فَلَا يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِهِ حَقِيقَةً , بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ , وَهُوَ أَهْلِيَّةُ الْقَصْدِ بِالْعَقْدِ وَالْبُلُوغِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ". وَقَالَ فِي تَعْلِيلِ وُقُوعِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ: إنَّ السُّكْرَ وَإِنْ كَانَ يُعْدِمُ الْقَصْدَ الصَّحِيحَ , لَكِنَّهُ لَا يُعْدِمُ الْعِبَارَةَ , وَيَقُولُ الْحَصْكَفِيُّ فِي: وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِيمَا يَسْتَوِي فِيهِ الْجِدُّ وَالْهَزْلُ مِثْلُ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ , وَلَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ , وَبِهِ يُفْتَى". وَأَمَّا الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ - مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ - فَاشْتُرِطَ فِيهَا الِاخْتِيَارُ عِنْدَهُمْ لِلِانْعِقَادِ , وَاشْتُرِطَ لِصِحَّتِهَا الرِّضَا , فَإِذَا تَحَقَّقَا فِي التَّصَرُّفِ كَانَ