قال قتادة رحمه الله:"حتى لا يكون شركٌ ،"ويكون الدين لله": أن يقال: لا إله إلا الله ، عليها قاتل نبيُّ الله ، وإليها دعا ."تفسير الطبري (3/567) .
ثانيا:
كانت"الأندلس"واسمها القديم"أيبيرية"خاضعةً للإمبراطورية الرومانية ، وفي مطلع القرن الخامس الميلادي - أي حوالي عام 410 م اجتاحتها قبائل"القُوط"الأريوسية المذهب ، وأسسوا فيها دولةً قُوطِيَّة عاصمتها"طليطلة".
ومن هنا نفهم أن شعوب"الأندلس"الأصلية من الكنعانيين الكاثوليك كانت - قبل الفتح الإسلامي - خاضعة للنفوذ القوطي ، وتكوَّنَ سكانها من طبقات أربعة متناقضة متصارعة: طبقة القوط الحكام المستعمرين ، وطبقة الأعيان الرومانيين ومعهم الإقطاعيون ورجال الدين ، وطبقة اليهود ، وطبقة الشعب العامل من سكان البلاد الأصليين .
فهي بلاد محتلة مضطهدة أصلا ، ولم تكن تحت حكم سكانها الأصليين ، ولم يكن المسلمون هم المبتدئين للاحتلال ، إنما خلصوا البلاد من احتلال ظالم إلى بلد مسلم يختار أهله عقيدة المسلمين ، وينتسبون إلى دولتهم .
ثالثا:
زيادة على الاحتلال الذي فرضته القبائل القوطية الغربية على بلاد الأندلس ، كان التسلط والظلم والاضطراب سمةً بارزة في فترة حكمهم التي امتدت نحو ثلاثة قرون .
يقول حسين مؤنس في كتابه"فجر الأندلس" (ص/8،18-19) :
"لكن سلطانهم لم يستقر في البلاد أول الأمر بسبب ما ثار بينهم وبين أهل البلاد من منازعات دينية ، وبسبب ما شجر بين أمرائهم من خلافات ، ولهذا ظلت البلاد طوال القرن السادس نهبا للحروب الأهلية ، وما ينجم عنها من الفوضى وسوء الحال...- حتى كان آخر حكام القوط - واحد اسمه"رودريكو" ( لذريق ) ...والظاهر الذي لا تستطيع المناقشة إخفاءه أن الرجل كان يشعر باضطراب الأمر عليه ، وأنه ظل حياته متخوفا من وثبة تكون من أحد أعدائه الكثيرين ؛ لأن هؤلاء الأعداء لم يكونوا أولاد"غيطشة"وحدهم - الذين استولى"لذريق"على ملكهم - بل كانوا في واقع الأمر جلة الشعب الإيبيري الروماني واليهود ، أي معظم أهل البلاد التي اقتحمها القوط عليهم"انتهى باختصار .
وقد حاول كثير من المؤرخين الأسبان أن يدافعوا عن دولة القوط - تعصبا منهم في رفض الوجود الإسلامي في تلك البلاد - إلا أن كتب التاريخ مليئةٌ بالأدلة على ما ذكره الأستاذ حسين مؤنس في شأن رفض أهل البلاد حكم القوطيين ، حتى نقل في (ص/10) عن"رفائيل بالستيروس"المؤرخ الإسباني قوله: إن العرب لو لم يتدخلوا في سنة 711هـ في شؤون الجزيرة ، ويضعوا نهاية لهذا العصر المضطرب ، لَبَلَغَ القوطُ بإسبانيا مبلغا من السوء لا يسهل تصوره .
رابعا:
لما اشتد ظلم حكام القوط في تلك البلاد ، وضاق الشعب بهم ، أرسلوا إلى المسلمين يطلبون منهم تخليصهم والنجاة بهم ، فقد أجمعت المصادر العربية على ذكر إرسال حاكم"سبتة"واسمه"يوليان"أو جوليان"إلى موسى بن نصير يطلب منه دخول البلاد وتخليصهم من شر"لذريق"، كما تذكر كثير من المصادر إرسال أبناء"غيطشة " إلى موسى بن نصير يستنجدون به على مَن غصبهم ملك أبيهم ، بل إن المصادر التاريخية الغربية تنسب إلى اليهود المضطهدين في"الأندلس"من قبل القوط استنجادَهم بِمَن وراء البحر من " الأفارقة"أو"المسلمين"ليخلصوهم من ظلم"لذريق " وأعوانه ، وهو أمر وإن أنكره بعض المؤرخين ، غير أن المتفق عليه بينهم أن اليهود تعرضوا في تلك الفترة إلى اضطهاد كاد يفنيهم ولا يبقي لهم أثرا . انظر"فجر الأندلس"لحسين مؤنس (ص/14) "
وفي النصوص الباقية الموروثة كثير من الأدلة على أن الأندلسيين استقبلوا المسلمين استقبال الفاتحين ، ومن ذلك:
يقول صاحب كتاب"أخبار مجموعة في فتح الأندلس" (ص/24) متحدثًا عن الخدمات التي قدمها بعض الإسبان لموسى بن نصير:
"فلما نزل الجزيرة ، قيل له: اسلك طريقه ، قال: ما كنت لأسلك طريقه . قال له العلوج الأدلاء: نحن ندلك على طريق هو أشرف من طريقه ، ومدائن هي أعظم خطبًا من مدائنه ، لم تُفتح بعد ، يفتحها الله عليك إن شاء الله"انتهى .
ويقول أيضًا:
"ثم سار إلى مدينة قرمونة ، فقدَّم إليها العلوج الذين معه ، وهي مدينة ليس بالأندلس أحصن منها ، ولا أبعد من أن ترجى بقتال أو حصار ، وقد قيل له حين دنا منها: ليست تُؤخذ إلا باللطف ، فقدَّم إليها علوجًا ممن قد أمنه واستأمن إليه ، مثل"يليان"، ولعلهم أصحاب"يليان"، فأتوهم على حال الأفلال ، معهم السلاح ، فأدخلوهم مدينتهم ، فلما دخلوها بعث إليهم الخيل ليلًا ، وفتحوا لهم الباب ، فوثبوا على حراسه ، ودخل المسلمون قرمونة"انتهى.
بل إن بعض أساقفة النصارى شاركوا في مساعدة المسلمين على الفتح ، منهم"أوباس"أسقف"إشبيلية"كما في كتاب"العرب لم يغزوا الأندلس" (ص/187)
وينقل صاحب كتاب"تاريخ النصارى في الأندلس" (ص/45) عن ما جاء في سيرة القديس"سانت ثيودارد"رئيس أساقفة"أربونة"الذي عاش حوالي سنة (266هـ) أنه لما دخل المسلمون لأول مرة إلى"لانجدوك"، انحاز اليهود إليهم ، وفتحوا لهم أبواب مدينة
"طولوشة".
والمسلمون يؤمنون بأن نصرة المظلوم وإحقاق العدل والسلم من أعظم مقاصد الجهاد في الشريعة الإسلامية ، دليل ذلك ما وقع في"سيرة النبي صلى الله عليه وسلم"من"حِلف الفضول"، حيث تعاهدت القبائل على كف الظالم ونصرة المظلوم ولو كان كافرا .
يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه"العلاقات الدولية في الإسلام" (83) :
"الإسلام ينظر إلى الرعايا الذين يُحكَمون بالظلم ويُقيدون في حرياتهم نظرة رحيمة عاطفة ، ينصرهم إذا استنصروه ، ويرفع عنهم نير الطغيان إن هم استعانوا به"انتهى .