فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 1037

يمكننا أن نبدأ الرد على لويس بالتأكيد على إصراره على الحكم على الشعوب الأخرى وتاريخها انطلاقًا من المعايير الغربية، وأن ما يناسب أمة من الأمم ليس من الضروري أن يناسب أمة أخرى. وإن أبزر النقاط التي ورد فيها هذا الخطأ المنهجي الذي يمكن أن نطلق عليه إسقاط المصطلحات الحديثة على أمور تاريخية أو مصطلحات أمة أو مفاهيمها على أمة أخرى في موضوع الحقوق والحريات.

فقد زعم لويس أن مفهوم"الحقوق"عند الغربيين لم يعرفه المسلمون، كما لم يعرف المسلمون من هذه الحقوق"حق الحرية"، وهنا يتعمد لويس تجاهل معنى الإسلام ومبادئه الأساسية. فإن معنى"لا إله إلاّ الله"نفي كل أنواع العبوديات عن الإنسان وإعطاؤه الحرية في أعز مجال ألا وهو مجال العقيدة، فمن مبادئ الإسلام عدم إكراه أحد على اعتناقه (لا إكراه في الدين) ( [317] ) ، وتأتي الحريات الأخرى تبعًا لذلك. فالحرية التي أعطاها الإسلام للمسلم وللذمي لم توجد في أي نظام آخر سوى حرية الانحراف والضلال التي قدمتها الحضارة الغربية حتى أضحت تشكو منها ( [318] ) ؛ فالإسلام يكفل العمل بالأجر المناسب، كما يكفل للمسلم حرية الرأي التي جهدت الدساتير الغربية في إثباتها وكانت شيئًا طبيعيًا في الإسلام.

ومن الأمثلة على حرية الرأي ما ورد من نقاش بعد فتح العراق حول تقسيم أرض السواد أو إبقائها بين أيدي أصحابها ويؤدون عنها الخراج. وكان رأي عمر بن الخطاب رضي الله أن تبقى الأرض في أيدي مالكيها، ولكن فريقًا من المسلمين وعلى رأسهم بلال بن رباح رضي الله عنه كانوا متحمسين لتوزيع الأرض بين الجند الفاتحين. ولم يكره أو يعاقب الخليفة على أنه خالفه في الرأي، بل كان يدعو أن يشرح الله صدر بلال للرأي الآخر ( [319] ) .

كما أورد لويس مقولة عربية قديمة عن الحاكم العادل والحاكم الظالم، وليس من المنهج العلمي أن يحاكم الفكر السياسي إلى مقولات مجهولة الهوية ولا تعني شيئًا. فالمقولة تزعم أن الحاكم العادل سيجد المكافأة ولكن لم يحدد لويس ممن، وكذلك العقوبة للحاكم الظالم ممن؟، فإذا كان المقصود أن الجزاء والعقاب من الله وما على المسلم إلاّ أن يكون شاكرًا في حالة الحاكم العادل وصابرًا في الحالة الثانية. فهذه مخالفة واضحة لأسس العقيدة الإسلامية التي تدعو إلى رفض الظلم وإلى إنكار المنكر وإلى مقاومة الفساد. إن التسليم برأي لويس يجعل المسلم شخصًا سلبيًا وما تحركت في عروقه الدماء إلاّ في بداية القرن التاسع عشر عندما بدأ بالاحتكاك بالغرب.

المحور الثالث: لويس والحركات الإسلامية المعاصرة.

تعد الحركات الإسلامية المعاصرة أو ما يطلق عليه الإسلام السياسي من أبرز القضايا في الفكر السياسي المعاصر. وقد اهتم لويس بهذه القضية عندما وجد أن الاتجاه في الغرب عمومًا يميل إلى الاهتمام بالحركات الإسلامية وأن هذا يقدمه إلى المسؤولين في العالم الغربي وجهات صناعة القرار السياسي والاقتصادي على أنه خبير في قضايا العالم الإسلامي المعاصرة.

ولعل ظهور ما يمسى الحركات الإسلامية المعاصرة قد جاء في أثناء مقاومة البلاد الإسلامية للاحتلال الأجنبي، ولكن هذه الحركات اندمجت في الحكومات التي قامت بعد انتهاء الاحتلال واستعادة الاستقلال. غير أن ظروف البلاد العربية الإسلامية بعد الاستقلال استدعت من المسلمين أن ينظموا أنفسهم في حركات تدعو إلى العودة للإسلام بعد أن جاء الاستقلال بالكثير من الانحرافات في السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم وغيرها من المجالات.

يصر الباحثون الغربيون ومن بينهم لويس على تسمية هذه الحركات ب"الأصولية الإسلامية"بالرغم من أن بعض الباحثين الغربيين قد أدركوا الخطأ في ذلك حيث يقول جيل كيبل عن المصطلح الإنجليزية"الأصولية"Fundamentalism والفرنسي Integrisme"إنهما تبسيطيتان يختزلان الظاهرة ويحرفانها، وهما يعيقان معرفتنا بتلك الظاهرات في مجملها، ثم إن عجزنا الإجمالي عن تفسير أو تأويل الحركات الإسلامية اليوم إنما يعيد إلى حد بعيد إلى استخدامنا هذه النظارات القديمة التي نضعها على أعيننا لأننا لا نجد في عجالة أمرنا خيرًا منها يمكن كل ما تقوم به هو زيادة التشويش في إدراكنا" ( [320] ) .

ويلاحظ أن لويس وغيره من الكتاب الغربيين خلطوا بين الأصولية الغربية بكل ما فيها من رفض للمجتمعات الغربية وانحلالها وانحرافها نحو المادية الطاغية وبين الحركات الإسلامية التي تنادي بالعودة إلى تطبيق الإسلام في حياة المسلمين في النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأولًا وقبل كل شيء في النواحي العقدية. ولذلك فهم يخلطون حقًا بين الإسلام وبين ما يتخيلون أنه"أصولية"بالمعنى الغربي، كما يصمون كل دعوة إلى الإسلام على أنها تطرف وتشدد.

وتأتي أهمية تناول كتابات لويس حول تيار الحركة الإسلامية للمكانة العلمية البارزة التي حققها لويس بصفته مؤرخًا مختصًا في التاريخ الإسلامي، وبصفته خبيرًا في شؤون العالم الإسلامي (الشرق الأوسط) ، ولأن كتاباته تصل إلى أعلى المستويات في مصادر صنع القرار السياسي في الغرب، ولأن لويس يتميز بغزارة الإنتاج والنشاط المتواصل في نشر فكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت