وفي مجال تأثر الفكر السياسي الإسلامي بالفكر السياسي الغربي يتناول لويس مسألة حقوق الفرد أو حقوق المواطن فيقول:"يمكن أن يكون للمواطن حاجات وآمال ولكن ليس له حقوق، إن هذه الفكرة بالذات مصدرها الغرب، وظهرت لأول مرة في القرن التاسع عشر عندما بدأ الكتّاب في تركيا وفي مصر في استخدام مثل هذه التعبيرات"حقوق الحرية"و"حقوق المواطن"، .ويضيف إنه ثمة مقولة عربية قديمة مفادها أن الخليفة إذا كان عادلًا فسوف يكافأ، وعليك أن تكون شاكرًا، وإذا لم يكن عادلًا فإنه سيعاقب وعليك أن تكون صبورا" ( [306] ) .
ويقول لويس عن الحرية السياسية:"بالرغم من وجود آثار حرية بدوية باقية في النظرية القانونية الإسلامية التقليدية، فإن تجربة الإسلام السياسية في معظمها استبدادية ، فعلى المواطن واجب ديني هو الطاعة المطلقة وبدون سؤال لصاحب السيادة، وليس له حقوق سوى أن يعيش حياة إسلامية طيبة، وعلى الحاكم المسلم أن يراعي الشريعة"القانون المقدس"لإمكانية إقامة الحياة الإسلامية الطيبة. أما ما سوى ذلك فللحاكم أن يفعل ما يشاء..ويضيف لويس أن النظرية الإسلامية لم تعترف مطلقًا بأي مصدر للسلطة سوى الله أو القوة والبديل الوحيد لمصدر السلطة هو القوة" ( [307] ) .
المناقشة:
من أبرز المميزات التي حرص الإسلام على تربية المسلمين عليها عزة النفس والكرامة وأن لا يخضع مسلم إلاّ لله عز وجل، وأن يتساوى المسلمون فيما بينهم، فقد دخل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على رستم"فجلس معه على سريره ووسادته فوثبوا عليه …فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قومًا أسفه منكم، إنا معشر العرب سواءُ، لا يستعبد بعضنا بعضًا إلاّ أن يكون محاربًا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأنّ هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه… علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأنّ ملكًا لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول" ( [308] ) .
إن الطاعة للسلطان مشروطة بطاعة الله عز وجل أما تشكك لويس بالقدرة على فحص التزام الحكومة بالشريعة الإسلامية إنما يدل على جهل لويس أو تجاهله، فالعلماء المسلمون ما آتاهم الله من علم وفهم وإدراك لا يحتاجون إلى إجراءات أو أجهزة لذلك. ولما كان نظام الحكم أو شكله لم يتحدد بنصوص شرعية فلا بد للمسلمين أن يتخذوا من أشكال الحكومة ما يناسبهم . ومع ذلك فقد استطاع العلماء المسلمون على مدى التاريخ الإسلامي إبلاغ صوتهم ورأيهم إلى الحكام عبر منابر المساجد أو في حلقات دروسهم أو بمواجهة الحكام مباشرة. وإن نفي لويس وجود إجراءات لمعرفة خروج الحاكم عن الشريعة ومحاسبته تكفلها حقوق الفرد المسلم التي يمكن تلخيصها فيما يأتي:
حق اختيار الحاكم: فمن حق الفرد المسلم أن يشارك في اختيار رئيس الدولة - البيعة العامة- وفي هذا يقول ابن تيمية"الإمامة تثبت بمبايعة الناس لا بعهد السابق له" ( [309] ) ، وهذه البيعة تجعل الحاكم في مركز النائب والوكيل عن الأمة. ( [310] )
2-حق المشاورة: نص القرآن الكريم على وجوب الشورى ) وشاروهم في الأمر (( [311] ) ، وثمة سوابق تاريخية أهمها سيرة النبي e تؤكد هذا الحق للأمة.
3-حق مراقبة رئيس الدولة، وما دامت الأمة قد اختارت الحاكم فمن حقها مراقبته وتقويمه إذا انحرف ، وأول مراحل التقويم النصيحة وفقًا لما جاء في الحديث الشريف (الدين النصيحة.. قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال:(لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) ( [312] ) .
والإسلام أسبق في محاسبة الحاكم ففي أول خطبة خطبها أبو بكر الصديق رضي الله عنه أرسى هذا الحق"إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم" ( [313] ) ، وذكر الطبري في تاريخه أن عمر بن الخطاب كان يخطب محذرًا عماله من تجاوز مهمتهم في التعليم ومما قاله:"فمن فُعل به شي سوى ذلك فليدفعه إليّ فو الذي نفس عمر بيده لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه" ( [314] ) .
وقد تفوق الإسلام على التشريعات الأخرى؛ فقد قسمت الحقوق في الإسلام إلى ثلاثة حقوق أحدها حق خالص لله عز وجل، وهو حق التشريع ثم حق غالب مثل حق القذف فهو أساسًا حق لله، ولكن للفرد فيه نصيب وذلك بصون عرضه، ثم حق للعبد ولله فيه نصيب مثل القصاص. وفي حالة الاعتداء على أي من الحقوق فإنه يتولد واجب الدفاع الشرعي، وكما يقول المستشار الدكتور علي جريشة:"إن الدفاع الشرعي لم تعرفه النظم الوضعية إلاّ حديثًا وعرفته قاصرًا على مجال الحقوق الخاصة. وفي هذا المجال يشوبه الكثير من القصور" ( [315] ) . وقد عالج المسلمون مسألة"الدفاع الشرعي العام"تحت عنوان"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"أو"الحسبة"، وأوضحوا بأن واجب إنكار المنكر واجب كفائي إي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن لم يقم به ذلك البعض الكفائي فقد أثمت الأمة كلها بترك الواجب، ويضيف جريشة بأن"شُرّاح القانون العام لم يستطيعوا أن يرتفعوا ب (مقاومة الظلم) وهي إحدى صور الدفاع الشرعي العام في الإسلام لم يستطيعوا أن يرتفعوا به أكثر من مرتبة الحق، فقد أعلنت الثورة الفرنسية في إعلان حقوق الإنسان الصادر سنة 1799م أن حقوق الإنسان هي:الحرية والملكية والمساواة ومقاومة الظلم. وبقي الإسلام منفردًا بجعل مقاومة الظلم وغيره من صور المنكر في المجتمع واجبًا وليس مجرد حق، فيرتفع بالمجتمع إلى مستوى من الإيجابية لا يصل إليه نظام آخر ويحقق بذلك كفالة القضاء على كل انحراف يظهر من جانب السلطة" ( [316] )
الحرية والتأثر بالفكر السياسي الغربي: