فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 1037

وكذلك الحواريون بعده, لم يخرجوا بدعوته إلى الشعوب الأخرى؛ بل ظلت بينهم حينا من الدهر؛ إلى أن انضم إليهم رجل يدعى"بولس"فهو الذي أخرج النصرانية خارج بني إسرائيل, ولام الحواريين على إخفاءها فيما بينهم؛ جاهلا أو متجاهلا أنها دين جاء لشعب لا العالم.

ودين أسس بنيانه على عبادة الصلبان والصور المدهونة في السقوف والحيطان، وأن رب العالمين نزل عن كرسي عظمته فالتحم ببطن أنثى وأقام هناك مدة من الزمان، بين دم الطمث في ظلمات الأحشاء تحت ملتقى الأعكان، ثم خرج صبيًا رضيعًا يشب شيئًا فشيئًا ويبكي ويأكل ويشرب ويبول وينام ويتقلب مع الصبيان، ثم أودع في المكتب بين صبيان اليهود يتعلم ما ينبغي للإنسان هذا وقد قطعت منه القلفة حين الختان، ثم جعل اليهود يطردونه ويشردونه من مكان إلى مكان، ثم قبضوا عليه وأحلوه أصناف الذل والهوان، فعقدوا على رأسه من الشوك تاجًا من أقبح التيجان، وأركبوه قصبة ليس لها لجام ولا عنان، ثم ساقوه إلى خشبة الصلب مصفوعًا مبصوقًا على وجهه وهم خلفه وأمامه وعن شمائله وعن الأيمان.

ثم أركبوه ذلك المركب الذي تقشعر منه القلوب مع الأبدان، ثم شدت بالحبال يداه ومع الرجلين، ثم خالطهما تلك المسامي التي تكسر العظام وتمزق اللحمان, وهو يستغيث: يا قوم ارحموني! فلا يرحمه منه إنسان, هذا وهو مدير العالم العلوي والسفلي الذي يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ثم مات ودفن في التراب تحت صم الجنادل والصوان ، ثم قام من القبر وصعد إلى عرشه وملكه بعد أن كان. ما كان. (1)

ودين وصل إلى هذه الحقارة في أمر ربه وإلهه, فكيف يقدر على المنع من ضلال الناس ؟

وأما بقية العالم فكانت قفرا؛ يملأه المجوس و الصابئة و المشركون بضروب من الضلالات والحماقات. بلغ بهم الانحطاط إلى عبادة كل مخلوق؛ بحثا عن الإله الخالق, والذي يتشوفون إلى عبادته؛ إلا أن الطريق مجهولة عندهم, فكانون بحاجة إلى من يهديهم إليها.

لأن الإنسان بفطرته مجبول على أن يكون عبدا؛ لكن لخالقه, وإلا استعبده أرذل مخلوق؛ كالشيطان, أو الهوى, أو غيرهما من المخلوقات.

وفي هذا الوقت حدث صراع بين أناس من النصارى وآخرين وثنيين؛ حتى وصل الأمر ببعض النصارى إلى محاولة الاعتداء على الكعبة المشرفة, فأدبهم الله وصان بيته؛ لا نصرا للوثنية على النصرانية, ولكن نصرا لدين آخر لم يظهر بعد؛ إلا أن هذا البيت رمز له, وعلامة تدل عليه.

فكان في هذه الحادثة إيذان بحدوث انقلاب قريب في سيران الأمور.

فكان مولد النبي الذي سيتم الانقلاب المأذون على يديه في السنة التي عقبت هذه الواقعة, وفي قرية البيت نفسها, فكانت كالتوطأة لظهوره.

ومن سنن الله أنه إذا أراد شيئا هيأ أسبابه, وكل الأسباب المقتضية لظهور من يشمل الناس بدعوة إلى إصلاح الخلل, وتوحيد الشمل, كانت مجتمعة في ذلك الوقت.

هذا فيما تعلق بضرورية بعثته, وهناك شيء آخر يحسن الإيماء إليه, وهو كونه صلى الله عليه وسلم عاش في ذلك الوقت المظلم, وأولئك القوم البُهْم, بالإضافة إلى أنه أمي؛ لا يقرأ ولا يكتب, ولا سبق له اتصال لا باليهودية ولا بالنصرانية, ثم جاء بتعاليم وتشريعات يعجز العقل البشري أن يأتي بمثلها على مر الأيام. لهو برهان باهر على أنه النبي الذي آن خروجه في ذلك الحين.

وقول القائل: إن هذه التعاليم والشرائع من منتجات عقليات ذلك الوقت؛ مع أنه كلما تطورت العقول, كلما تأكدت من قصورها عن الإتيان بمثلها, فهذا القول أقبح شتم للعقلية البشرية.

وهو قول لا يقبله عاقل من قائله إلا بدليل, وليس ثمة دليل أبين وألزم من أن يثبت قائله قدرته على الإتيان بمثلها, أو بما هو خير منها؛ لأنهم يقولون إن العقل تطور منذ ذلك الحين إلى أيامنا:? قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ?

والدعاوى إذا لم يقيموا عليها بيناتٍ أصحابها أدعياء

وسيتبين لك هذه الحقيقة أكثر فيما يأتي - إن شاء الله -.

الجانب الثاني: القوم الذين بعث فيهم النبي الكريم عليه الصلاة والسلام

إن القوم الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعيشون في جاهلية عمياء, وذلك في جميع أمورهم؛ سواء منها ما تعلق بأمر الإله المعبود, أو بحياتهم العادية.

وكانوا قبل ذلك يدينون بدين إبراهيم عليه السلام؛ منذ أن نشأت ذريته في مكة وانتشرت في جزيرة العرب، فكانوا يعبدون الله ويوحدونه ويلتزمون بشعائر دينه الحنيف، حتى طال عليهم الأمد ونسوا حظًا مما ذكروا به، إلا أنهم بقي فيهم التوحيد وعدة شعائر من هذا الدين، حتى جاء عمرو بن لُحَيٍّ رئيس خزاعة، وكان قد نشأ على أمر عظيم من المعروف والصدقة والحرص على أمور الدين، فأحبه الناس ودانوا له، ظنًا منهم أنه من أكابر العلماء وأفاضل الأولياء .

ثم إنه سافر إلى الشام، فرآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك وظنه حقًا؛ لأن الشام محل الرسل والكتب، فقدم معه بهُبَل وجعله في جوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله فأجابوه، ثم لم يلبث أهل الحجاز أن تبعوا أهل مكة؛ لأنهم ولاة البيت وأهل الحرم .

وكان هبل من العقيق الأحمر على صورة إنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب، وكان أول صنم للمشركين وأعظمه وأقدسه عندهم . (1)

وصبغوا بهذه الوثنية البقية الباقية لديهم من آثار الحنفية؛ كشعائر الحج وغيرها.

ولا شك أن عقيدة القوم هي الموجه الأول لزمام أمرهم, فالانحراف في العقيدة يستدعي الانحراف في العبادة والسلوك والشعائر, وفي سائر قطاع الحياة.

والإنسان الذي وصل به الدناءة والسخافة إلى عبادة إله صنعه من تمر وعجين, فإن جاع أكله, كيف يرقى ؟

وأية حضارة يبنيها هذا الإنسان ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت