فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 1037

وقيل لا تكون المفارقة إلا بأن يبعد عن صاحبه بحيث لو كلّمه على العادة من غير رفع الصّوت لم يسمع كلامه وهو ما ذهب إليه الإصطخريّ والشّيرازي والقاضي أبو الطّيّب من الشّافعيّة , قال النّووي: والمذهب الأوّل وبه قطع الجمهور - أي جمهور الشّافعيّة - ونقله المتولّي والروياني عن جميع الأصحاب سوى الإصطخريّ واستدلّ لذلك بما ورد عن ابن عمر فقد قال نافع: كان ابن عمر إذا بايع رجلًا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيّة ثمّ رجع إليه .

وسئل الإمام أحمد عن تفرقة الأبدان فقال: إذا أخذ هذا كذا وهذا كذا فقد تفرّقا .

قال النّووي: وحكى القاضي أبو الطّيّب والروياني وجهًا أنّه يكفي أن يولّيه ظهره , ونقله الروياني عن ظاهر النّصّ لكنّه مؤوّل .

ولو فارق أحدهما مجلسه دون الآخر لم ينقطع خيار الآخر خلافًا لبعض المتأخّرين , وقال البهوتي: وإذا فارق أحدهما صاحبه لزم البيع سواء قصد بالمفارقة لزوم البيع أو قصد حاجةً أخرى لحديث ابن عمر السّابق .

واختلف في الإكراه على المفارقة هل يبطل به الخيار ويلزم البيع أم لا ؟ قال ابن قدامة: إن فارق أحدهما الآخر مكرهًا احتمل بطلان الخيار لوجود غايته وهو التّفرق , ولأنّه لا يعتبر رضاه في مفارقة صاحبه له فكذلك في مفارقته لصاحبه .

وقال الشّافعيّة والقاضي في الحنابلة: لا ينقطع الخيار , لأنّه حكم علّق على التّفرق فلم يثبت مع الإكراه , فعلى قول من لا يرى انقطاع الخيار إن أكره أحدهما على فرقة صاحبه انقطع خيار صاحبه كما لو هرب منه وفارقه بغير رضاه ويكون الخيار للمكره منهما في المجلس الّذي يزول عنه فيه الإكراه حتّى يفارقه , وإن أكرها جميعًا على المفارقة انقطع خيارهما , لأنّ كلّ واحدٍ منهما ينقطع خياره بفرقة الآخر له فأشبه ما لو أكره صاحبه دونه .

ومن صور الإكراه ما لو تفرّقا مع فزعٍ من مخوفٍ كسبع أو ظالمٍ خشياه فهربا منه أو تفرّقا مع إلجاءٍ كتفرق بسيل أو نارٍ أو نحوهما أو تفرّقا مع حملٍ لهما لأنّ فعل المكره والملجأ كعدمه فيستمر خيارهما إلى أن يتفرّقا من مجلسٍ زال فيه إكراه أو إلجاء .

وقال الشّافعيّة فيما نقله النّووي: لو هرب أحد العاقدين ولم يتبعه الآخر فقد أطلق الأكثرون أنّه ينقطع خيارهما , وجزم به الفوراني والمتولّي وصاحبا العدّة والبيان وغيرهم , وقال البغويّ والرّافعي: إن لم يتبعه الآخر مع التّمكن بطل خيارهما , وإن لم يتمكّن بطل خيار الهارب دون الآخر , قال النّووي: والصّحيح ما قدّمناه عن الأكثرين , لأنّه متمكّن من الفسخ بالقول ولأنّه فارقه باختباره فأشبه إذا مشى على العادة , فلو هرب وتبعه الآخر يدوم الخيار ما داما متقاربين , فإن تباعدا بحيث يعد فرقةً بطل اختيارهما .

وقال الحنابلة: إن هرب أحد المتبايعين من صاحبه , بطل خيارهما ولزم العقد لأنّه فارقه باختياره ولا يقف لزوم العقد على رضاهما .

وأمّا أثر المفارقة بالموت أو الجنون ونحوه ففي إبطال خيار المجلس به خلاف ينظر تفصيله في مصطلح: ( خيار المجلس ف 13 ) .

ولو تنازع العاقدان في التّفرق بأن جاءا معًا وقال أحدهما: تفرّقنا , وأنكر الآخر صدّق النّافي بيمينه .

ولو اتّفقا على حصول التّفرق وتنازعا في الفسخ قبل التّفرق فقال أحدهما فسخت البيع قبل التّفرق وأنكر الآخر صدق النّافي بيمينه لأنّ الأصل دوام الاجتماع وعدم الفسخ ولو اتّفقا على عدم التّفرق وادّعى أحدهما الفسخ فدعواه الفسخ فسخ .

وما سبق من اعتبار المفارقة إنّما هو فيما إذا تولّى عقد البيع طرفان أمّا إذا تولّى العقد شخص واحد كالأب يبيع ماله لولده أو يبيع مال ولده لنفسه فهل لا بدّ من ثبوت الخيار واعتبار المفارقة سببًا للزوم العقد أم لا ؟

للشّافعيّة والحنابلة في ذلك رأيان الأوّل: ثبوت الخيار قال النّووي: أصحهما ثبوته فعلى هذا يثبت خيار للولد وخيار للأب ويكون الأب نائب الولد , فإن ألزم البيع لنفسه وللولد لزم , وإن ألزم لنفسه بقي الخيار للولد فإذا فارق المجلس لزم العقد على الأصحّ من الوجهين عند الشّافعيّة , قال الماورديّ وهذا قول أبي إسحاق المروزيّ وهو المذهب . والرّأي الثّاني وهو الصّحيح من المذهب عند الحنابلة ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة: لا يلزم - أي البيع - إلا بالإلزام , لأنّه لا يفارق نفسه وإن فارق المجلس , قال الماورديّ: وهذا قول جمهور أصحابنا , قال: وعلى هذا لا ينقطع الخيار إلا بأن يختار الأب لنفسه وللولد , فإن لم يختر ثبت الخيار للولد إذا بلغ .

وقال البغويّ: ولو كان العقد بينه وبين ولده صرفًا ففارق المجلس قبل القبض بطل العقد على الوجه الأوّل ولا يبطل على الثّاني إلا بالتّخاير .

ثالثًا - القيود الواردة عند انتقال الملك:

13 -ذهب الفقهاء إلى أنّ لانتقال الملك شروطًا وضوابط , وجعلت الشّريعة وسائل الانتقال - كقاعدة عامّة في حالة الحياة - في الرّضا والإرادة , بل اشترطت أن يكون الرّضا غير مشوب بعيوب الرّضا وعيوب الإرادة , من الغشّ والتّدليس والاستغلال والإكراه والغلط ونحو ذلك , لقول اللّه تعالى: { لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ } , ولقول الرّسول صلى الله عليه وسلم: « إنّما البيع عن تراض » , وقوله: « لا يحل مال امرئ مسلم إلّا ما أعطاه عن طيب نفسه » .

وللتّفصيل ر: مصطلح ( رضًا ف / 13 وما بعدها ) .

كذلك حدّد الفقهاء إرادة المالك المريض مرض الموت بالثلث إذا كانت تصرفاته عطاءً وهبةً, أو محاباةً , أو وصيّةً .

ر: مصطلح ( مرض الموت ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت