فهرس الكتاب

الصفحة 967 من 1037

244 -ميزة للشريعة: ويترتب على التفرقة في تطبيق نصوص الشريعة بين المسلمين والذميين أن تكون الجرائم في الشريعة قسمين: قسم عام يعاقب على إتيانه كل المقيمين في دار الإسلام، وقسم خاص يعاقب على إتيانه دون غيرهم، ولا يمكن أن يقع إلا منهم، وأساس هذا القسم هو الدين.

وليس في القوانين الوضعية الحديثة - على ما أعلم - قانونًا واحدًا لم يسلك مسلك الشريعة من حيث جعل بعض الجرائم عامًا يقع من كل الرعايا، وبعضها خاصًا يقع من بعض الرعايا فقط، ولكن القوانين لا تجعل أساس التفرقة الدين.

وقد اضطرت الشريعة الإسلامية لسلوك هذا الطريق لتحقيق العدالة، وتوفير حرية الاعتقاد، والمحافظة على النظام، وأساس النظام في الشريعة هو الإسلام. أما القوانين الوضعية فليس فيها ما يحمل واضعها على سلوك هذا الطريق؛ لأن القوانين تجرد عادة من كل ما له مساس بالعقائد والأخلاق والدين على العموم، ويكتفي فيها بحريم ما يمس علاقات الأفراد المادية، أو يمس الأمن، أو نظام الحكم. وقد أدت طريقة القوانين إلى فساد الأخلاق، وشيوع الفوضى، والتحلل من كل القيود، وأوجدت في الجماهير روح التمرد، والاستعداد للخروج على قواعد القانون والاستهانة بها، فكثرت الثورات والانقلابات، وصارت النظم تتغير يومًا بعد يوم، وكل نظام يلاقي مصير الذي سبقه.

ولقد أوقع المشرعين الوضعيين في هذا الخطأ الفاحش أنهم أرادوا أن يحققوا المساواة، ويطبقوا مبدأ حرية الاعتقاد، فلم يروا وسيلة لتطبيق هذين المبدأين معًا إلا أن يجردوا القانون من كل ما يمس العقائد والأخلاق والأديان، فأدى بهم هذا التطبيق السيئ إلى هذه النتائج المحزنة، ولو أنهم أخذوا بطريقة الشريعة الإسلامية لضمنوا تحقيق ما شاءوا من مبادئ، ولمنعوا من وقوع هذه المساوئ.

ولعل عذر المشرعين الوضعيين فيما حدث أن القوانين الوضعية كانت إلى ما قبل الثورة الفرنسية تقوم على أساس ديني يراعى فيه مذهب الحاكم واعتقاده، لا مذاهب المحكومين جميعًا وعقائدهم، بحيث كان المخالفون في العقيدة يحملون حملًا بسطوة القانون على اعتناق مذهب الحاكم أو عقيدته، وقد أدى هذا المسلك إلى إثارة الشحناء والبغضاء بين أفراد الشعب الواحد، وإراقة الدماء وتعدد المذابح، مما كان له رد فعل قوي حمل المشرعين على أن يعالجوا هذه الحالة بتجريد القوانين الحديثة من كل ما يمس العقائد والأخلاق والأديان، ولكن هذا العلاج أدى إلى نتائج لا تقل سوءًا كما رأينا، ولا أظن أن هناك علاجًا موفقًا كعلاج الذي ارتأته الشريعة، فإنه يؤدي إلى الأخذ بمبدأي المساواة وحرية الاعتقاد، كما يؤدي في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بالقيم الأخلاقية والروحية، وهي الأساس الأول في احترام الشرائع والقوانين.

ويجب ألا ننسى حين نقارن القوانين الوضعية بالشريعة الإسلامية، أن الشريعة الأخيرة شريعة دينية أساسها الإسلام، فلا يمكن بطبيعة الحال أن تتجه اتجاهًا يخالف الإسلام، وأن الدين الإسلامي يعتبر النظام الأساسي للدولة بكل ما يشتمل عليه من صوم وصلاة وزكاة وحج وتوحيد، وبكل ما يوجبه ويحرمه، وهو نظام لا يقبل التجزئة بطبيعته، فليس من المستطاع الأخذ ببعضه وترك بعضه؛ لأن الأخذ ببعضه وترك بعضه هدم له. وقد فهم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا الوضع حق الفهم، فحاربوا مانعي الزكاة بعد وفاة الرسول واعتبروهم مرتدين، مع أن المسلمين كانوا في أشد الحاجة إلى المسالمة في هذا الوقت العصيب الذي انتفضت فيه شبه جزيرة العرب كلها على المسلمين.

فالشريعة إذن لا يمكن بأي حال أن تتخلى عن العقاب على الجرائم الدينية أو الأخلاقية؛ لأنها تقوم على النظام الإسلامي، ولأنها وجدت لحماية هذا النظام والمحافظة على مقوماته، فلابد أن تحرم كل ما يسمه وتعاقب عليه.

ولا يصح أن يعتبر عيبًا في الشريعة الإسلامية، لأنه صفة أساسية لاصقة بكل نظام أقيم أو يقام على وجه الأرض، فكل نظام له أسسه التي يقوم عليها، ومقوماته التي لا يستمر بغيرها، ولا يمكن أن يقوم أي نظام وضعي إذا أهملت أسسه، وتجوهلت مقوماته، فالديموقراطية لها أسس معينة ومقومات خاصة، وكل نظام من هذه الأنظمة تختلف أسسه ومقوماته اختلافًا ظاهرًا عن أسس النظام الآخر ومقوماته، ولا يمكن أن يعيش أي نظام من هذه الأنظمة إذا أهملت بعض أسسه أو تجوهلت بعض مقوماته؛ لأنه بهذه الأسس والمقومات وجد وعاش، وتميز عن غيره من الأنظمة، ونحن نعلم أن كل نظام من هذه الأنظمة الثلاثة يضع عقوبات قاسية على كل ما يمس أسس النظام أو يهدم مقوماته، فلا عيب إذن على الشريعة إذا عاقبت على كل ما يمس النظام الذي قامت عليه؛ لأن ما تفعله الشريعة هو طبيعة لازمة لكل نظام يراد له البقاء والنماء والاستقرار. وإذا كانت الشريعة تعاقب على ما لا تعاقب عليه القوانين الوضعية فليس ذلك بشيء؛ لأنه يرجع إلى تغاير النظم واختلاف طبائعها، وما دامت اتجاهات النظم مختلفة، وطبائعها مختلفة، فلا يمكن أن تتفق فيما تحل وفيما تحرم.

والأمثلة على ذلك بارزة في الأنظمة الوضعية، فالشيوعية مثلًا تعاقب على الدعوة للنازية والديموقراطية، والنازية تعاقب على الدعوة للديموقراطية والشيوعية، والديموقراطية تحارب الشيوعية والنازية وتعاقب عليهما، والملكية الفردية مباحة إلى غير حد في البلاد الديموقراطية، ولكنها جريمة في البلاد الشيوعية. فاختلاف الأفعال المحرمة في النظم لا يمكن أن يكون عيبًا بذاته، لأن قيمة النظام لا تقاس بما يحل وما يحرم، ولا بعمومه وخصوصه، وإنما يقاس بما يؤدي إليه من إسعاد الجماعة، ورقيها وتفوقها، ونشر العدل والمساواة والتراحم بين أفرادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت